الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٥٧في حسين داي وصعد في الحافلة راجعا إلى داره فلما وصل في بيته لم يجد تلك الدراهم فقد سرقت منه في الحافلة ولقيني من الغد واستفتاني في الأمر فقلت بداهة إنك تعمل في هذه المؤسسة بدون أجر، فأنا أرى أنها سرقت منك ولم تشعر، ولو شعرت بصاحبك لدافعته أو ضاربته فقال: بدون شك، فقلت: إن الشريعة لا تلزمك بضمان ولكنه قال إن نفسي لا تسمح لي إلا بردها من مالي الخاص، وأنا أعلم في تلك الحال أنه يجب عليه أن يعمل أسبوعا على الأقل ليربح ذلك العدد فقد كان أجيرا، ولكنه اختار أن يستبرأ لدينه، وعرضه رحمه الله رحمة واسعة وجازاه عن الإسلام خير الجزاء إنه سميع الدعاء مخيم رمان امن و سلاح وهذا هو السر في أن جميع المؤسسات العامة في هذا المجتمع تزداد وتتجدد وتتسع وتبتكر أنواعا جديدة من هذه البناءات العامة، مما لو ذهبنا نعددها لوجدناها مشاريع لا يمكن أن تحققها إلا مجتمعات أصبح البر والإحسان والبذل
وشك الانتهاء
من
فيها جزءا من طبيعتها الاقتصادية، وذلك هو الإسلام إذا ساد في مجتمع ما. وكل هذه المؤسسات بما يدخل فيها من عمل يدوي تطوعي تتكلف أقل بكثير مما يعتقده الخبراء والفنيون، وإني لأذكر حادثة عابرة وقعت لي مع أحد إخواننا الجزائريين زار البلدة حين كُنَّا نبني "نادي النهضة" في العطف، وكنا على هذا البناء، وأظن أنه كان مهندسا للصوت في القاعات العامة، وفي أثناء المحادثة قال لي: "إنني أكبر فيكم معشر المزابيين قدرتكم على الانجازات الضخمة" فقلت تلك ثمرة الإيمان بالله الذي لا تضيع عنده الودائع، فقال: ومن أين تأتون بالمال؟! فقلت بعملية حسابية بسيطة وهو الامتناع عن التدخين فقط، فسكت ثم قلت له بكم تقدر نفقة هذه البناية؟! فقال بكذا، مليون، فقلت: وكم تقدر من الوقت لانجاز هذا العمل؟ فقال: بسنتين على الأقل، فقلت: صدقني إن العمل قد أنجز بثلث العدد الذي ذكرت وفي ثمانية أشهر لا في سنتين، فتعجب من
كلامي ولكني قلت له أتدري ما السر؟ فقال: لا أعلم، ولو كنت أطلت المقام هنا لأدركتُ فقلت: طبعا ستدرك لأن السبب بسيط، هو أننا ننجز العمل بأيدينا وتوكل على انجاز هذه الأعمال من يرجوا ما عند الله بعمله لا يجعله وسيلة
لكسبه .. ، فقال: صدقت.
من
وأخيرا بقي هناك موضوع يتعلق بالعشيرة لا بأس بزيادة كلمة فيه، وهو أن إبعاد النظام العشائري من جعله قاعدة للنظام البلدي قد كان في صالح هذه العشائر من الناحية الاجتماعية وذلك لأن اعتبارها دائرة انتخابية كما وقع في انتخابات 1959 في عهد البلديات التامة، وقد خلق في كل عشيرة صراعا داخليا بين أبناء العشيرة فيمن يختارون، وكما رأينا ذلك في أشده في انتخابات الخمسينيات فقد أدى ذلك إلى افتراق العشيرة الواحدة على أساس عقائدي أو فكري وإن كان ليس سياسيا محضا، فقد كان الصراع بين المصلحين والمحافظين على أشده وكان من الطبيعي أن تتأثر الانتخابات بهذا اللون من الصراع وإن كان محليا، فلما ألغيت هذا القوانين رجعت للعشائر وحدتها وأصبحت منذ ذلك الحين متفرغة إلى الخدمات الاجتماعية وهذا أسلم لها وأرجى فائدة، ثم إن التحديات التي اصطدم بها هذا النظام قد زادته حيوية ونشاطا وتنظيما، ورحم الله الشاعر العربي الذي قال عُداتي لهم فضل علي ومنة فلا أبعد الرحمن عني الأعاديا بحثوا عن زلتي فاجتنبها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا. وهذه النكتة الأخيرة قد تؤيد ما كنا رأيناه في أول هذا الفصل من أن العنصرية القبلية ليست هى المهيمنة في العشائر، بل لا تعدو أن تكون إحدى وسائل التنظيم البلدي أو التوزيع السكاني. وبقيت هناك كثير من المواضيع الجانبية تتصل بالعشائر وأصالتها في أي بلدة من بلدان، مزاب ثم انتماء مجموعة من العشائر إلى صف من الصفوف،
115
114