الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٥٨وملاحظات أخرى حول هذا الموضوع لعلنا سنعود إليه في فرصة أخرى بحول الله،
فإن هذه المواضيع وإن كانت ذات حساسية إلا أن أمانة التاريخ والنقل تقتضي منا أن نقول في الموضوع كلمة والله الموفق.
الجمعيات الخيرية وأثرها
بعد الحرب العالمية الأولى بدأت الحياة تدب في أوصال الشعب الجزائري
في بعض النواحي التي كانت بواكير للنهضة المباركة التي عرفتها الجزائر على أيدي علمائها المصلحين العاملين المخلصين رحم الله منهم من مات وأطال عمر البقية من هؤلاء الأعلام. الأعلامية
وكانت قرى مزاب من الأماكن الأولى التي دبت فيها هذه الحياة، فقد رأى المفكرون بعد وفاة قطب الأئمة الشيخ الحاج أمحمد أطفيش رحمه الله أن واجبهم يقضى عليهم أن يستفيدوا من علوم الحياة وأن لا يكتفوا بالتعليم الديني واللغة العربية في وادي ميزاب كما رأوا أن يقتبسوا من التنظيمات الحديثة في التعليم، وكان الحكم العسكري الذي يتحكم في وادي ميزاب والصحراء منذ سنة 1853 في عنفوان ظلمه وتعسفه سيما بعد الانتصار الذي أحرزته فرنسا بفضل حلفائها سنة 1918، ورأوا أنه لا يمكنهم والحال هذه أن يستقدموا شيوخا أو أساتذة من الخارج ليعلموا الأبناء اللغة العربية الفصحى وبأحدث الطرق والأساليب، فقرروا إرسال البعثات إلى تونس فذهب بعض المشايخ لإكمال معلوماتهم في الزيتونة، علاوة على ما درسوه في ميزاب وبعد أن قضوا هناك مدة قرروا إنشاء بعثة من الأبناء الصغار الذين لم يتعلموا في ميزاب إلا بعض سور من القرآن لصغر سنهم ويدخلوهم في المدارس الابتدائية يبدؤون تعليمهم من اليوم الأول أحدث الطرق والأساليب المدرسية التي عرفت آنئذ في تونس.
وكان الشيخ أبو اليقظان (1) رحمه الله أول من نظم هذه البعثة وشرع
لها منهجها في الدار وما يستتبع التعلم من التربية الدينية والخلقية، ثم كون الشيخ الحاج صالح بن باعلي دارًا أخرى للبعثات هي الثانية ثم كون الشيخ أبو إسحاق إبراهيم (2) ومعه الشيخ محمد الثميني (3) رحمهما الله بعثة، ثم بعد أن انتقل الشيخ
(4)
أبوا اليقظان إلى الجزائر ليبدأ عمله الصحفي خلفه الشيخ قاسم بن الحاج عيسى رحمه الله، ثم الشيخ مصباح نوح بن الحاج بكير، واستمرت هذه البعثات إلى ما بعد الاستقلال والحمد الله، فقد يقل عدد التلاميذ وقد يكثر ولكن العمل لم ينقطع إلا في أوائل الحرب العالمية الثانية لفترة لم تتجاوز ثلاث سنوات على ما أظن. (5)
ا - هو: الشيخ إبراهيم بن عيسى أبو اليقظان، رائد الصحافة العربية في الجزائر، وصاحب الجرائد الثماني الإصلاحية وهي وادي ميزاب، ميزاب المغرب النور البستان الأمة، النبراس الفرقان … ينظر بتفصيل: معجم أعلام الإباضية، ط 1، 1999، ج 2، ص 52 وما بعدها.
2 - هو: شيخ المحققين أبو إسحاق إبراهيم أطفيش، نزيل مصر، وصاحب مجلة المنهاج، عالم بارع وسياسي أرهق المستعمر الفرنسي في كل من تونس والجزائر ..
ينظر: نفسه، ج 1، ص 44 وما بعدها.
3 - هو: مثال الاستقامة والورع، محمد بن صالح بن يحي الثميني، ترك بصمات خالدة في تاريخ مزاب والجزائر وتونس، أنشأ مكتبة الاستقامة بتونس فكانت ملاذا للوطنيين الأحرار في تونس … ينظر: نفسه، ج 4، ص 802 وما بعدها.
4 - قاسم بن الحاج عيسى، تعموت قام هذا الرجل الفاضل هو ومحمد بن صالح بن يحي الثمني بمتابعة طبع جريدة "وادي" "ميزاب" بتونس طيلة عامين كاملين لم تتخلف فيهما الجريدة مرة عن الصدور في موعدها
المحدد، فمادتها تجمع في الجزائر وترسل إلى تونس لتصفف وتطبع ثم ترسل عبر القطار كل 15 يوما.
5 - يمكن لمن شاء الاستزادة في هذا الموضوع أن يطالع فصل الجمعيات الخيرية بمزاب وأثرها في النهضة"، في كتاب: نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة للشيخ محمد علي دبوز، ط 1، المطبعة العربية بالجزائر، 1971، 229 وما بعدها.
117
116