الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٦٠الشيخ عباس بن حَمَّانة (1) ومعه جماعة من المزابيين الذين كانوا تجاراً في تبسة، نذكر منهم المرحوم السيد الحاج بكير العُنف (2)، ولا تزال هذه المدارس القرآنية موجودة إلى اليوم في مختلف أنحاء القطر وإن كانت برامجها قد اختصرت نظرا لتعريب التعليم في الجزائر.
ونعود إلى ميزاب لنرى كيف قوبلت هذه المدارس في أول الأمر وكيف استطاعت أن تنمو وتزدهر، لقد تنبه الفرنسيون لخطر التعليم العربي المنظم فقابلوا هذه الحركة بالعداء السافر، ولم يدَّخروا أي وسع في عرقلة السير ومضايقة المعلمين والمسؤولين، واعتقلوا كثيرا من الناس بدعوى أنه تعلم في تونس أو أنه من المشاغبين، وكان القُيَّاد الذين يمثلون السلطة العسكرية في كل قرية مأمورين أن يتتبعوا كل من يسند هذا التعليم، وإن لم يكونوا كلهم يأتمرون، وقد عزل بعضهم لأنهم رأوا أن واجبهم الذي أنيط بهم في أول الأمر غير هذا، ومع كل ما بذله الحكام العسكريون وبعض أذنابهم من العراقيل وبالرغم من أن القوانين العامة التي كانت تحكم الجزائر كانت حينئذ ظالمة جائرة ولم تكن تطبق في وادي ميزاب إزاء الحكام العسكريين فقد يأخذون من قوانين الأندنجينا (3) ما قد يعنيهم في هذا التعسف، مما يطبق في المناطق المدنية ولو ذهبنا نستعرض المآسي التي كانت تفرض على هذا الشعب لملأنا الصفحات.
هذا من ناحية ومن ناحية أخرى كانت مواقف المحافظين الذين يرون في إنشاء هذه المدارس خروجا عن طريق السلف وتقليلا من شأن القرآن، فلم يكونوا يعارضون هذه المدارس تواطئا مع الحكام العسكريين وبعض القياد، ولكن عرقلتهم
2
ا - أنظر ترجمته وكفاحه عند محمد علي دبوز نهضة الجزائر الحديثة وثورتها المباركة، ج 2، ص 261 وما بعدها.
من المصلحين والمخلصين الأفذاذ من بلدة القرارة كان تاجراً في مدينة تبسة، ينظر نفسه، ص 208 وما بعدها. 3 - هو قانون الأهالي الذي اعتبرت فرنسا بموجبه الجزائريين رُعاعًا غير مسؤولين ولابد أن تسير هي. شؤونهم.
كانت أشد أثرًا لا في إغلاق هذه المدارس أو استعمال أي قوة ضدها، ولكن بتخويف الناس من مغبة تعليم أولادهم على هذه الطريقة مما قد يخرج بهم عن جادة الصواب، نقول إن هذه الحركة قد عرقلت السير كثيرا لأنها معارضة داخلية وصادرة عن كثير من رجال الدين فلذلك خذلت كثيرا من الناس وصرفت أجيالا من الأبناء الذين حرموا من هذه المناهل، وطبيعي أن يدرك الشعب خطأ نظريتهم بعد أن يرى النتائج ملموسة ماثلة للعيان في سلوك معلمي المدارس والشباب الذين تخرجوا من هذه المدارس.
وقد اختلفت القرى يوم بدأ طلبة البعثة التونسية يعودون ويستقرون في ميزاب وبدأت فكرة إنشاء المدارس المنظمة تراود المصلحين، وذلك لأن بعض القرى تمكنت من إدخال النظم الجديدة على المحاضر الموجودة منذ أقدم العصور بجانب المساجد، وذلك إذا وجدت التجاوب مع العزابة وفي بعض القرى أنشئت مدارس مستقلة مما استلزم بعض الوقت إلى شرائها وإعداد المحال وإعطاء شكل قانوني لهذه المؤسسات، أما التي أدخلت تحسينا على التعليم القديم فقد كان أخف وأسهل الناحية المادية، ولم تتعرض للضغط الكثير من السلطة العسكرية لأنها كانت تحت المسجد، وكذلك العرقلة التي كانت تصدر من الهيئات المحافظة كانت أقل تأثيرا لأن الناس يرون المساجد بعين الكمال والاحترام.
من
11
121
120