الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٦٢

الأعياد والمراسيم

إن الحديث عن الأعياد والمواسم حديث طَلِيٌّ شهي، ولو سمح لي الوقت لكتبت فيه عشرات الصفحات وذلك لما نجد فيه من الدقائق التي نستدل بها على أن هذا المجتمع يمثل رغم ضيق رقعته وقلة عدد سكانه_ عينة حضارية كانت في يوم من الأيام سائدة في العالم الإسلامي في مختلف أنحائه، ونظرا لاتساع هذا الموضوع سنحاول أن نذكر أهم ما يمكن أن يستفيد منه القارئ ليجد الصورة المتكاملة لهذا المجتمع المسلم الراسخ، ولنبدأ بسيد الشهور رمضان.

شهر رمضان

ورمضان ليس عيدًا من الأعياد في مفهوم الناس البسطاء، ولكنه في مفهوم الناس عيد من الأعياد وذلك طبقا للمتزلة التي أعطتها الشريعة الإسلامية لهذا الموسم ولهذا الركن الرابع من أركان الإسلام الخمس، فهو عيد عبادة وميدان تسابق للمؤمنين الصادقين وهو بالنسبة للعائلات ذات الدخل المحدود أو الفقيرة فرصة لتحسين أحوالها الغذائية وتزيين موائدها إنطلاقا من الأثر الذي يروى من أن النفقة في رمضان لا يُحاسب المرء عليها وما ورد من الأحاديث عن سيد الأنبياء والمرسلين محمد صلوات الله وسلامه عليه من الحث على التوسيع في النفقة على العيال وتخفيف العمل على المملوك أو الأجير إذا كان من الصائمين، فرمضان أمنية الفقراء عندنا قبل أن يكون خير غائب ينتظره كل الناس، حتى أن الأولاد يعدون له الليالي والأيام، سزاء ذلك أولاد الفقراء وأولاد الأغنياء، وسنتتبع العادات التي تسبق رمضان ابتداء من ليلة منتصف شعبان التي تُحيى في جميع المساجد بصلاة "مئة ركعة" تطوعا ونافلة في المسجد بالجماعة، وليس ذلك بواجب على كل الناس ولكن تهياً للنفوس لاستقبال، رمضان يجعل الناس راغبين في حضورها وإتمامها و مجاهدة النفس في عدم الانقطاع في منتصفها أو أثنائها، وإن الكثيرين ليدخلون في

جملة

من

أول الأمر ليصلوا ما تيسر كما هو المشروع في النوافل، ولكنهم يستمرون حتى النهاية بشيء من الرياضة والمصابرة وفي هذا ما فيه من التدريب على مجاهدة النفس ومحاولة إخضاعها لإرادة العقل، وبهذا يتوصل الإنسان إلى الكمال النفسي المطلق، وغالبا ما يلقي شيخ المسجد درسًا حول مجاهدة النفس يحض فيه المصلين على مجاهدة النفس لأدائها وهي فرصة لا تتكرر كل مرة في المواسم والأعياد وهذه الصلاة تصلى بنفس الحماس وأكثر من ليلة عاشوراء، وبعد العشرين من شعبان تبدأ العائلات في إعداد " تكضورين" للأولاد الذين سيبدءون الصيام في تلك السنة، وهذه من جملة العادات التي تُحبِّب إلى الأولاد الدخول إلى حقل الصائمين، مع العادات التي سيأتي الكلام عليها فيما بعد، وتدعو الأم لهذه العادة جميع قريباتها وقريبات زوجها فيجتمعن فيصنعن للصائم الجديد ستين حبة بمعدل حبتين لكل يوم من أيام الصوم، وتتكون هذه "التكضورين" وواحدتها تاكضورت" من اللقط والسمن والتمر الجيد والسميد بعد أن يُقلى في مقلاً يابس وبعد أن تخلط هذه المواد مثلما يخلط السويق بالسمن، تكور منه حبات بقدر مئة فرام تقريبا، فتجعل منها ستون على حدى للصائم ثم تقسم البقية للنساء الحاضرات بعد أن يأكلن نصيبا هناك في الدار ويشر بن الشاي، وتأخذ كل واحدة منهن حبة أو حبتين تقسمها على أولادها وتخبرهم أنها تيمنا لهم حتى يبلغوا ويصوموا، وفي هذا ما فيه من التشويق للأولاد أما من اجتمعت العائلات من أجله فهو يشعر بالقيمة، والاعتزاز مما يزيده اكتشافا لقيمته في هذا المحيط العائلي الضيق وفي هذه الأيام العشر تتوالى أمثال هذه المناسبات وتتكرر، والذكور والإناث بالنسبة لهذه العادة على حد سواء، أما إذا دخل شهر رمضان فإن الهدايا تتبادل بين الأقارب في حق الأولاد الذين بدعوا الصيام فيبعثون له فطوره وقت كل يوم من عند أحد أقاربه على الترتيب ويخبرون الوالدين عادة بيومين لئلا تتكرر عليهم

125

124