الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٦٤

الصدقات التي تنظمها أغلب العشائر وحتى التي ليست لها تنظيما مستمرا طوال السنة، فإنها لا تقتصر نحو فقرائها في موسم سيد الشهور رمضان، ولا تقتصر صدقات العشائر على فقرائها في الغالب، بل تتعداهم إلى فقراء البلدة كلهم، وإن كانت تبدأ دائما بمن تعول كما يوصي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويأتي بعد ذلك دور بعض الأغنياء الذين ينظمون مقادير يومية من اللحم عند القصابين فيخبر هذا أي شخص فقير ذا عيال أن يأخذ كل يوم رطلاً من لحم من عنده وقد يخبره باسم هذا المحسن وقد لا يخبره وتلك هي صدقة السر التي حث الرسول عليها وذلك مصداقا لقوله تبارك وتعالى ولن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" (1)، وصدقة اللحم ليست موجودة بهذه الكيفية في كل القرى ولا لكل الفقراء فهناك من يعطي لهم الدراهم ويعطيهم الحرية في اختيار ما يريدون وهناك من يرى أن اللحم أمر كمالي، فهو يتصدق بالمواد التي يعتقد أنها ضرورية لمعيشة العائلة الفقيرة (2)، ومجمل القول بعد كل هذا أن موسم رمضان موسم يتمناه الفقراء وذوي العيال بفارغ صبر، لما يشيع فيه من الإحسان والمواساة من جانب الأغنياء وما يتسم فيه مستوى المعيشة حتى عند ذوي الدخل المحدود، وهذا هو السر في انعدام الحقد بين الفقير والغني في هذا المجتمع المسلم، "صبغة الله ومن أحسن الله صبغة ونحن له عا بدون (3)، ولعلنا سنشرح هذه النظرية في فصل مستقل حتى نعطي الأمثلة الواضحة لمن يبحث معنا القضايا الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع المسلم بكل موضوعية وبدون تحيز وبدون رأي مسبق مستورد، دخيل، فلنا إلى هذا الموضوع عودة ستكون شافية بحول الله.

من

- آل عمران،92، ولعله أوضح من هذه الآية قوله تعالى: "إن تُبدوا الصدقات فنعما. هي وإن تخفوها وتوتوها الفقراء فهو خير لكم، ونكفّر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير"، البقرة، 271.

يتحدث الشيخ هنا عن بلدته العطف، لأن أهلها مشهورين منذ القديم بمهنة الجزارة دون غيرهم بين أهل مزاب. 3 - البقرة، 138.

المعدل هو

الختمات في المساجد (1)

جرت السنة الحسنة أن يُفتتح القرآن في أول ليلة من رمضان في كل مسجد من مساجد ميزاب التي تقام فيها الجماعة خمس مرات في اليوم، وذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فقد كان كما صح في كتب الحديث يُدارس جبريل القرآن طيلة شهر، رمضان ولا تتوقف التلاوة في ليل ولا في نهار حتى صبيحة عيد الفطر المبارك، ومن الطبيعي أن لا تكون المجالس عامرة في كل وقت بهذه التلاوة ولكنها لا تنقطع إلا نادرا، وفي أوقات الصلاة أو الدرس أو التراويح، وأغلب ما تزدهر هذه المجالس قبل صلاة الفجر وبين الظهر والعصر وحيث أن "سلكة" من القرآن كل ليلة، فقد قرر أن يكون في كل عشية "ختمة" يحضرها جميع من يشارك في التلاوة في مختلف الأوقات، ويُباح لكل الصائمين ولو من غير القراء أن يحضروا، وكذلك تحضر كل النساء اللائي أردن ولو من غير المواظبات على حضور الصلوات في كامل السنة وتوزع بعد ختمة القرآن كثير من الصدقات منها ما هو وقفٌ مُعلّق ببعض الأملاك، ومنها ما يتبرع به المحسنون بدافع من إيمانهم وأريحيتهم، وكل من حضر هذه الختمة في آخر عشايا رمضان لا يحتاج إلى شراء الخبز لأولاده بل يكتفي بما يأخذه هناك (2)، ولا فرق في المقدار بين الكبير والصغير ولا بين الرجل والمرأة ولا بين العزابة وسائر الناس فالكل في الحصة سواء، ولا يعطى للأولاد الذين دون سن البلوغ إلا إن كانوا صائمين: فإن هذه الصدقات جعلت أساسا لفطور الصائمين لما ورد في ذلك من الأجر، وهذا بالطبع عند التوزيع في المسجد، أما الناس الذين يأخذون هذه الصدقات طبعا يأكلون بها

1 - تجدر الإشارة إلى أن الحديث هنا يقتصر عن "ختمات" رمضان اليومية، وأن من العادات الحسنة أن هذه "الختمات" لا تقتصر على شهر رمضان فقط، بل هي في كامل المناسبات والأيام والجمع، وكذا الأعياد وفي المآتم وفي التلاوة اليومية في المساجد، وإمامة الصلوات المكتوبة، وتلاوة المقابر أيضا.

2 - هذه إشارة ضمنية إلى كثرة الصدقات التي يجلبها الناس إلى المساجد، خاصة الخبز لأنه الغذاء الضروري اليومي.

129

128