الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٦٥أولادهم في منازلهم هذا في العَشِيَّة أما في الليل فإن الساهرين لتلاوة القرآن طوال الليل في المساجد فهناك أوقاف من طعام محلى بالسكر أو العسل وهو ما نسميه باللغة الدارجة "السفوف" أو "الْمَسْفُوف" توزع كل ليلة في حوالي منتصف الليل، وهو بكفي للسِّحر عادة، وفي أول الليل يبعث الناس لعُمَّار المسجد الشاي والزلابية والنُّقل سيما في الليالي المعظمة أثناء الشهر وهي ليال عشرة وخمسة عشر وسبعة عشر وعشرين وسبعة وعشرين منه ففي هذه الليالي يكثر العُمَّار والسُّمَّار وتتوالى صينيات الشاي والحلوى
وقبل أن نختم الفصل الذي نتحدث فيه عن رمضان نريد أن ننبه إلى ظاهرة موجودة في الختمات وهي اشتراك الناس في تجميع هذه الصدقات، وقبل البدء بتوزيع الصدقات يطوف الشبان المكلفون بالتوزيع على جميع الحاضرين في المسجد فيجمعون ما لديهم من الصدقات وتجمع مع ما هر موجود من الأوقاف ويُردُّ لكل من أتى بصدقةٍ جزء من إثني عشر جزءا من صدقته، فإذا بعث بإثني عشرة خبزة مثلا ردت له، واحدة، وإذا بعث بست خبزات رد له نصف واحدة، ثم يأخذ بعد ذلك مَنَابَهُ كسائر الناس عند التوزيع، ولهذا نرى كثيرا من الفقراء يأتي معه بخبزة واحدة يتصدق بها وله بعد ذلك مثلا أربع خبزات في التوزيع، وبهذا يشعر هذا الفقير أنه شارك بمجهوده في تجميع الصدقة، وحسبه أن يكون قد شارك ولا عليه بعد ذلك أن يكون قد أخذ أكثر مما أعطى، وتلك هي الصور التي شرعها الإسلام حتى يمحو عقدة الشعور بالنقص في نفوس الفقراء والمساكين من أبناء الإنسان، وقد سبق درهم مئة ألف درهم، كما يقول رسولنا الأعظم محمد صلوات الله وسلامه عليه، ولا أريد أن أختم هذا الفصل عن سيد الشهور قبل أن أنبه إلى أن ما يقع بالمسجد من توزيع للصدقات في آخر كل عشية من رمضان،
الصدقات
يقع مثله كل يوم في دار الغاسلات (1) حيث تجتمع النساء في صبيحة كل يوم من رمضان وبعد تلاوة بعض سور من القرآن يُلقي عليهن أحد الوعاظ درسًا في الحث على اغتنام أيام، رمضان ويتطرق إلى محاربة الآفات الاجتماعية والتقاليد البالية التي قد تتمسك بها النساء عادة، وبعد الدرس تقع الختمة وتوزع على جميع من حضر، وتختلف هذه الصدقات في النوعية ففيها التمر والبر، وفيها الخبز وفيها الدراهم أحيانًا، وغالبا ما تضيق هذه الدور عن إيواء النساء الراغبات في حضور الدرس وتمتد هذه التجمعات إلى آذان الظهر عند منتصف النهار حيث يفترقن على نية الرجوع في صباح الغد بعد طلوع الشمس.
وقبل الفطر أي بعد منتصف رمضان تبدأ ليالي السمر بالنسبة للنساء في سهرات عائلية في الليالي الممتازة، فتتجمع نساء كل شارع عند إحداهن، وبعد الشاي وتوزيع ما أتت به كل واحدة منهن من مختلف المواد مثل: الحلوى أو الزلابية أو النقل على مختلف أنواء، أو السكر أو حلوى راحة الحلقوم. وبعد أن يوزعن ما تَجمَّع بنسب متساوية تتقدم كبراهن أو أحفظهن لروائع الحكم وهي بالبربرية، وقبل أن تبدأ التوزيع والكلام تتنحى تنتَانِ منهن جانبا ويأخذن علامات على قدر النساء الحاضرات أو يكتبن أسماءهن في أوراق صغيرة ثم يطوين تلك الأوراق ويعطينها لهذه المقدمة، فتقول ما شاء لها القول عند إلقاء كل علامة أو ورقة من تلك الأوراق على الحصة (2)، وكثيرا ما يصدق حدسها حدسها عند الكلام على صاحبة تلك الورقة التي لا تعلمها، فتتحدث حين تتحدث عنها ببعض ما تشعر به صاحبة الفال وهذا يكثر عند الأمهات المسنات ولو سجل أحد الحاضرين تلك الحكم والمقالات لسجل قسما مهما
- هي: "تَدَّارْتْ نْ تِمْسردين"، وقد سبق الحديث عن هذه الهيئة العرفية النسوية، والدار التي تجتمع فيها. 2 - هو ما يشبه "البوقالات" عند العاصميات.
من
الثقافة
131
130