الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٦٩

وفي عشية العيد يذهب الناس ليهنئوا شيخ المسجد في داره ويتوافد الناس من جميع طبقات البلدة وذلك اعترافا منهم بفضله، ومن الغد تنعقد رحلات التزاور بين الأقارب ويقصد الناس من كل قرية إلى القرى الأخرى الأعلام المشهورين والشيوخ يقابلون كل وفد بما تيسر من إكرام ويلقي عليهم بعد ذلك كلمات توجيهية فيما يفيدهم لدنياهم وآخرتهم وهكذا بعد أن تنتهي كل هذه الزيارات واللقاءات يعود الناس الذين جاءوا من التل إلى أعمالهم بعد أن يكونوا قد تزوَّدوا بهذه الطاقات الروحية من معين القرآن ومن روح الإسلام ومن هذا التعاطف الذي يضفيه الإسلام الصحيح على مجتمعاته المؤمنة، أما الأجواء العائلية وما يشيع فيها من مرح فهو غني عن البيان وإن كنا قد ذكرنا بعضه فيما سبق، يبقى أن ننبه ونؤكد أن الناس لا يتكبدون مشاق السفر البعيد من أجل الهناء العائلي فقط ولكن هناك العائلة المحدودة والعائلة الكبرى التي يحيا الناس إخوة في جوها.

ولا تختلف العادات بين العيدين إلا في قليل من المظاهر، فالدرس الذي يُلقى يكون مختصرا والاكتتاب لا يقع إلا إذا كانت هناك أعمال بناء، ومراسيم التهاني تؤخر للغد لانشغال الناس بالأضاحي ومن البديهي أن يتعاون الناس في هذا الميدان ويعقد الشباب جماعات من بينهم يتبرعون بالذبح مجانا للفقراء أو الأرامل واليتامى، كما أن الناس الذين ليست لهم أضاحي ينالون الشيء الكثير من أقاربهم وجيرانهم، وتلك هي السنة الإسلامية الصحيحة، ومما يجدر ذكره أن الأضحية يلطخ وجهها بالحناء ويبخر لها عند دخولها الدار وهذه من العادات الموجودة في بعض القرى دون بعض.

أشهر الأعياد التي يكثر الاحتفال بها عاشوراء، ففيها يتجمع الناس في المسجد الصلاة مئة ركعة كما سبق الكلام على ليلة النصف من شعبان، ويمتاز عيد عاشوراء بأن الكثير من الناس يجعلون منها وقتا سنويا لموعد زكاتهم، فمحرم أول

شهر في السنة القمرية وفيه من الفضل ما فيه وهو عندنا يمتاز بعشاء فاخر يقول عنه الأسلاف إنه من لم يشبع في هذا اليوم فلا يشبع طول العام، وتصنع الأمهات خبزة لكل واحد من الأولاد من أفراد العائلة ويتركن قطعا من اللحم المصبَّر من شاة الأضحية عادة، وهذه وإن كانت

جزئيات إلا أنها جديرة بالذكر كما التزمنا بذلك في هذه الخلاصة الوجيزة. وهناك في العطف بالأخص عائلة أو عائلتان لا يتزين أفرادها في عاشوراء ولا يشعلون نارًا وليسوا من عائلات الإباضية من الممكن أن تكون من بقايا الفاطميين الذين سكنوا شمال إفريقيا وحكموها زمنا غير قصير. والاكتحال في عاشوراء عادة كانت متبعة ويسمح بها حتى للرجال في

هذه المناسبة.

المولد النبوي الشريف

ومن الأعياد التي تحظى بمكانة ممتازة مولد خير البشر محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، ويمتاز منذ الليلة الأولى من شهر ربيع الأول بإحياء لياليه في الدور الخاصة بتلحين البردة والهمزية والكثير من القصائد والأناشيد التي يتبارز فيها الفنانون الشباب وإحياء هذه الليالي في دور العلم وفي المدارس هو تمهيد لليلة المولد التي تبيتُ فيها الحلق في كل المساجد، تُنشد وتلقى فيها الدروس، وتمتد أغلب السهرات إلى السحر، فإذا قرب الفجر انعقد مجلس لتلاوة القرآن حتى طاوع الفجر، وإن كان معظم الحاضرين يخرجون بعد منتصف الليل.

وعند المغرب من ليلة المولد يذهب الأولاد زرافات ووحدانا يحملون أوفد الزيت إلى المساجد فهناك أوقاف كثيرة معلقة في الدور بأن يؤدي لترا من الزيت ليلة المولد وهناك من يتبرع على حسب عدد أولاده فيعمر مقدار قنديل لكل واحد، ويُجمع ذلك الزيت في إناء يبعث به إلى المسجد مع الأول، وقد كان هذا

139

138