الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٧٢

مزار في جولتهم جلسوا وقسموا التمر والحليب والخبز على الجميع، ويشترك في الإتيان بهذه المواد ولا يختلف عن ذلك أحد الحاضرين وهذه الظاهرة موجودة في كل الختمات كما تقدم فمشاركة الناس على اختلاف مقاديرهم في هذه الصدقات يجعلهم يعتقدون أنهم قد ساهموا في تجميع هذه الصدقة وإن كانوا جاءوا بأقل من القليل، ويأخذون أضعافه كما تقدم، ثم إن الأغنياء الذين يحضرون لا يردون الصدقة بل يأخذونها معهم إلا إذا لم يكن لأحدهم منديلا، فإنه يأخذها ويعطيها لمن بجانبه أو يمسكها بيده فيمدها للذي بجانبه أو يأكل منها تمرة ثم يرد الباقي في القفة التي يوزعون بها، تلك أخلاق إسلامية رفيعة إذا سادت في المجتمعات أزالت هذه الحواجز المصطنعة بين الناس وجعلتهم لآدم وآدم من تراب ..

ولا عجب أن نجد هذه الروح الأخوية عندنا بين الفقراء والأغنياء، ولو ذهبنا نسرد الوقائع التي عشناها في هذا المضمار، لتبين للناس الذين يحاولون بكل ما أوتوا من قوة أن يخلقوا هذه الفجوات بين الناس حتى يصيروا طبقتين يحقد بعضهم على بعض، ولكن في هذه الأماكن لن يستطيع إنسان أن يحققها مهما حاول، فما جمعته يد الله لا تستطيع تفريقه يد الشيطان كما قال الإمام ابن باديس رحمه الله ولنعد لعيد الزيارة فهذا شجن من الحديث لا تكفي فيه صفحة أو صفحتان. بعد أن يعود الناس من المشاهد البعيدة يتجمعون في مصلى من مصليات المقابر حوالي منتصف النهار، أما بالنسبة للعطف فيكون التجمع في مقام الشيخ أبي محمد بن بكر (1) وليس فيه مقبرة ولا قبر ولكنه مصلى فسيح، وفي انتظار التجمع يسأل أحد الفقهاء وهو جمع "فقيه" والمقصود بهم معلمو القرآن، يسألون التلاميذ عن رسم القرآن وما هي المواضع التي تكتب فيها تاء سنة مفتوحة، وفي موضع من القرآن نجد وإذا قال" موسى لقومه يا قوم" .. إلى غير ذلك

الله

من

ا - هو الشيخ أبي عبد محمد بن بكر الفرسطائي، واضع نظام العزابة، توجد روضته في وسط الوادي بتحنينت.

الآيات

انتي تشابه في القرآن والفروق التي قد تكون بينها وكل تلميذ يُسأل وحده ولكن بمحضر إخوانه ومعلميه وقد كان هذا الامتحان يخول درجة من الدرجات مثل أن يكون له الحق في حضور مجلس القرآن في المسجد، فقد كانوا لا يقبلون من التلميذ

في سن الدراسة الحضور بين الصلوات في مجلس التلاوة بالمسجد بل يُحيلونه إلى المحضرة ليستزيد من القرآن إن كان ما زال لم يُكمله وليعيده باللوح إن كان قد ختمه، وبعد أن يصلوا الظهر ويوزعوا التمر واللبن على كل الحاضرين يذهبون مع أحد المشايخ لتتبع جميع المقابر، وكلما وقفوا على قبر ذكروا صاحب هذا المقام ونبذة تاريخية والكرامة التي تُحفظ عنه إن كانت له كرامة تذكر، والكلام في المرة موجه إلى الطلبة بوجه خاص ليحفظوا تاريخ المشايخ وبعد صلاة العصر يذهبون إلى دورهم أما أكثر العامة فتنصرف إلى الدور بعد توزيع التمر والحليب بعد الظهر، أما تتبع المقامات فلا يحضره كل الناس، وفي آخر العشية يخرج سكان البلدة كلهم إلى الوادي أو إلى أحد المصليات الواسعة حيث تقع الختمة وتوزع الصدقات على الجميع، وكل هذه التجمعات سواء كان لصلاة الاستسقاء أو زيارة المشاهد البعيدة في الضُّحى أو تجمع منتصف النهار أو زيارات المشايخ وسرد التاريخ قد يتجاوز فيه الناس ويختلفون فيه على حسب رغبتهم وأعمالهم ونشاطهم وكسلهم، ولكن الخروج الجماعي في آخر العَشيَّة وهو قد يدون ساعتين لا تساهل فيه: فأبواب المدينة تغلق والشيوخ العجزة يتجمعون في دكاكين الباب الكبير (1) أو في السوق الخارجي إذا كانوا لا يستطيعون الوصول إلى مكان التجمع العام، ولا يُعفى إلا من كان مريضًا مُزمنا وهذا بالضرورة لا يُغادر، بيته، وبعد الختمة وتوزيع الصدقات يفترق الجميع في أعظم مظاهر الفرح والحبور، أما حظ النساء من عادات عيد الزيارة فهو التَّزين وكل العرائس التي تزوجن في تلك السنة لابد لهن

- الدكانة: مرتفع صغير يُبنى بناء كأنه دَرّج، يجلس عليه الشيوخ عند أبواب البلدة حيث يتسامرون وهم يقظين.

145

144