الشيخ القرادي الحاج أيوب إبراهيم بن يحيى 1923-1989م: رسالة في بعض أعراف وعادات وادي مزاب يحيى بن بهون حاج امحمد

الشيخ القرادي

الجزء ١ · صفحة ٨١

السوق وتقاليده

يحتل السوق مركزا ممتازا في كل بلدة من بلدان ميزاب من حيث الروعة

المعمارية ومن حيث أنه مركز ثقل في القرية، ففيه توجد محلات أو "حُجْرَات (1) العشائر وفيها يلتقي الرجال، إما للأعمال التجارية وإما للمراقبة، ومحمل القول أنه مركز ممتاز في جميع الشؤون الدُّنيوية للبلد، فكما أنه من واجب المؤمن أن يحضر الصلوات الخمس في المساجد فكذلك من واجبه حسب عُرف ميزاب أن يأخذ مكانه بعد العصر في السوق، هذا هو العرف الذي جرى به العمل حتى الستينيات، أن استقلت الجزائر حيث شهد المجتمع تحولات جذرية سيما من حيث وبعد الاقتصاد، نرى أن هذه التحولات قد أثرت كثيرا في مركز السوق، ولكن هذا لا يمنعنا أن نذكر بعض ما نحفظه من هذه التقاليد فقد تفيد أجيالنا الصاعدة كما

نعتقد

و لم تكن الدكاكين التجارية موجودة في القديم مثل ما هي عليه الآن، فالمواصلات التي تتوفر الآن والطرق المعبدة والمواصلات السلكية واللاسلكية لم تصل ميزاب إلا منذ الثلاثينيات، ولذلك كان السوق هو مجمع البيع والشراء في كل يوم وفي كل قرية المنتوجات الصوفية كانت تباع في الأسواق وكذلك الدواب والأنعام، وكل التركات وكل ما يأتي به البدو الرُّحَل من حطب وبُر وشعير وأصواف وألبان وسمن كل هذا كان يوجد في السوق دوما، وإذا لم يوجد في السوق وُجد عند أحد السكان الذين قد يدَّخرون مادة من المواد لوقت الحاجة ولذالك شرعت له قوانين أو أعراف أجمع عليها الناس وعملوا بمقتضاها في أغلب الأحيان، ومنها:

ا - هي مكتب العشيرة يجتمع فيها أعضائها كل عشية تقريبا، ولم يبقى أثرها الفعال إلا في بني يسجن، وتنطقُ مُرفقةً.

يشرف العزابة على افتتاحه، وللعزابة "دُكّانٌ" خاص يجلسون فيه، والدكان

ليس هو حانوت كما قد يتبادر لذهن القارئ ولكنه مصطبة مرتفعة قليلا عن الأرض تسمى بـ"دكانِ العزَّابَة" فإذا جلسوا في مكانهم قام "العون الشرعي للمحكمة" أو "خادم العزابة" فينادي: "الله يَلْعَنَكَ يَا ابْلِيسُ، مَنْ بَاعٌ يَرْبَحْ أَو مَنْ شرًا يَرْبَحْ أَو مَنْ صَلَّى عَلَى النَّبِي يَرْبَحٌ"، ثم يتتابع "الدلالون" ابتداء من العزابة ثم يطوفون بكل الجالسين في السوق وهم يُنادون بسعر السلعة التي بأيديهم وهو في تلك الحال يُنادي بمن أعطاه السعر الأول، وإن لم يكن قد ساومه أحد دار على السوق وهو يقول: "اعْلَى بَاب الله" هذا أن الشيء لازال بدون سعر، فإذا أعطاه أحد الحاضرين سعراً نادى به فإذا زاده الثاني في السعر اتجه من بعيد للأول وهو ينادي بالسعر، فإن أراد الأول أن يزيد حرك رأسه ثم يلتفت إلى الآخر مادامت الزيادة مستمرة، فإذا توقف أحدهما زاد هو دورانه على السوت حى يستقر السعر النهائي، فإذا استقر مَكَّن ذلك الشيء لمن استقر عنده السعر، ثم يذهب ليستشير مالك الشيء، فإن أعجبه السعر واقتنع باع وإن لم يقتنع طلب رد المبيع، وقد يطلب سعرا أغلى وقد يرد له المبيع، فالخيار دائما للبائع في كل ما يبيع

بالدلالة.

ومعنى

ويأخذ الدَّلالُ أجرة له عشرة في المائة من ثمن المبيع وهو أمر معروف، أما إذا رد المبيع فإنه يأخذ نصف هذه النسبة، ويأخذها من البائع دائما، ولعل هذه النسبة أقل في بعض القرى مما ذكرت وقد تكون النسبة بحسب المبيع، فلا يمكن مثلا في دلالة الدَّار أن يأخذ عشرة في المائة كما في البَرْنُوس، وحيث أن السوق يبتدئ الدَّلالُ فيه من العزابة فقد كانوا دائما يسومون المبيع وجوبا، ولكن أحد المشايخ أبطل هذه العادة وقال لهم: لا يجوز أن يساومها إلا من كان يقصد شراءها، أما أن يسوم وهو لا ينوي الشراء فلا، وفي بعض الأسواق تسقط الزيادة

163

162