الشيخ القرادي
الجزء ١ · صفحة ٨٦القطيع أو "الْحَرَّاف"
في كل قرية من قرى ميزاب عدد من المعز بنسبة معزة لكل دار، وحيث
أنه لا يمكن أن تبقى هذه المعز في داخل الدُّور فقد سنَّ أسلافنا رحمهم الله أن يختاروا راعيا مؤتمنًا يذهب صباحا بكل معز البلدة ويعود عشية وهذا منذ القديم، ويأخذ الراعي أجرة له في مقابل هذا العمل جملة من الحقوق، ويظهر أنه كان لا يتلقى أجرة مالية بعد أن يستوفي حقوقه المتفق عليها عُرفيًا.
ومن جملة الحقوق التي يأخذها ما يلي: أ - عُرقُوباً من كل أضحية يملك صاحبها معزة في القطيع، ويسمى "كراع الرَّاعِي". ب كمية تقدر بنصف حثيّة من طعام في كل عرس وفي كل مأتم وفي كل مقبرة من مقابر الشتاء، أي من الطعام الذي يُصنع للصدقة في تلك المقبرة. مد من شعير عندما يبشر أهل الدار بميلاد معزتهم فهو الذي يحمل الجدي إليهم د يحلب من كل معزة نصف حليبها في الصيف إذا كان يسقي القطيع. هـ - يجيء بجلد المعزة إن ماتت في حوزته أو أي أمارة تدل على صدقه. و - أن يقوم بمراقبة التيوس وما عساه يلزمهم من أكل من البلدية أو من المسجد. ز - يوصل أولاد المعزة إذا ولدت عنده إلى الدار التي تملك المعزة، ويعطونه بشارته مما تيسر كمد من تمر أو مُدَّ من شعير.
ح- إذا ما وقعت أي تعدية على القطيع فعلى البلدة أن تُنجد الراعي. ولعل لهذه القضية أثر فيما تقدم لنا عن الأعراس أن الناس لا يجيئون إلى دار العرس من أجل الخيمة حتى يدخل "الْحَرَّاف"، ولا يأتون لطعام وليمة العرس إلا إذا دخل "الْحَرَّاف" حين كان الإطعام عشية إلى غير ذلك من المواعيد، مما يدل على أنه مادام "الْحَرَّاف" لم يدخل من البادية فهم غير مطمئنين إلى سلامتهم في القرية، وكثيرا ما سبق "الْحَرَّاف" فَيُنتدب الشبان أو "المكاريس" فيتبعونه
ولو يومين حتى يردُّوه، كما وقع ذلك في عهد عمنا بهون بن الحاج يحي حين أغار "جريبة" على قطيع العطف فلما تقابلا قال له: دع القطيع واذهب لحال سبيلك فإن معي إخواني وكلهم مستعدون أن يموتوا قبلي أما أنت فإنك معتمد على مرتزقة سينفضُّون عنك عند أول رصاصة .. " فتدبر مع كلامه ولوى عنان فرسه وكفى الله المؤمنين القتال، ولربما تساءل الكثير من أبناء اليوم كيف يمكن أن يتقاتل جيشان من أجل قطيع من المعز يعد بمائة أو بخمس مئة، فما شأنه وما قيمته حتى يستدعى النفير العام أو ما يشبه ذلك؟ والجواب: إن هذه القضية تدخل في جملة ما تفرضه الرجولة من الدفاع عن الحمى وتلك عادة عرفتها كل الشعوب، فقد تنشب حرب بين شعبين من أجل قطعة أرض قد لا تُساوي إذا ما بيعت دية شخص واحد، ولكن تذهب فيها أرواح وأرواح فمنهان عليه اليسير هان عليه الكثير، والأمور بمعناها ومحتواها لا بقيمتها المادية ولعل مضيق "دَانْزيغ" الذي اعتدى عليه الألمان في سنة 1939 كان لا يساوي الحرب العالمية الثانية ولكنها أجله، وقديما تحاربت قبيلتان أربعين عاما من أجل ناقة)، وجرد المعتصم سبعين ألف جندي في حملة تأديبية لعمورية من أجل امرأة صاحت "وا معتصماه" حين اعتدى الروم عليها، ولذلك فأمور مثل هذه لا دخل لمنطق الأرقام فيها، وهذا ما تسنى ذكره في هذه النقطة وهو إن دل على شيء فإنما يدل على تلك المساواة التي تطبع كل تصرفات الأوائل، وأما اليوم فإن الناس يدفعون عددا كل شهر مع وجود تلك المنح التي ذكرناها، قبلُ، إلا أن الراعي اليوم لم يعد يستقصي في طلبها فمن أعطاه أخذ منه ومن امتنع فله ذلك (2).
اندلعت
1
2
من
- يريد: حرب داحس والغبراء.
هذا قديما أما اليوم فلا أثر للقطيع يذكر، لأن الناس صاروا يعتبرون تقييد معزاة في الدار من علامات البداوة والتخلف، فأنشاؤوا الحظائر في بساتينهم لرعايتها، ولكنهم في الأخير استغنوا عنها إلا قليلاً.
173
172