أضواء على وادي ميزاب: ماضيه وحاضره مفدي زكرياء

أضواء على وادي ميزاب

الجزء ١ · صفحة ١٣

أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره

قسم التحقيق

مدى صلة هذه السياسة بالتشريع الديني، فيما يتصل بالأفراد أو الجماعة. ولذلك اعتبرنا المذهبية إحدى دعائم المجتمع الميزابي ولسنا بحاجة إلى بيان أنّ الدين يمثل عند الميزابيين وكافة الإباضية، وعند الشيعة أيضا بصفة خاصة، الدستور العام لحياة المسلمين في أشخاصهم ومجتمعهم. وهاتان الطائفتان؛ الخوارج والشيعة؛ تمتازان عن سائر الطوائف الإسلامية في الإصرار على شمول هذا الاعتبار للدين لجميع نواحي الحياة، حتى فيما يتصل منها بعلاقة الفرد مع الآخر، العلاقة العادية التي يتطلبها التعايش والتساكن. وعلة هذا التمييز أو هذا الإسراف في استحضار الدين في جميع أن علة شؤون الحياة؛ هي الوجود الطائفي لهاتين الطائفتين؛ إنما كانت التفسير الديني لنظام الحكم وأسلوبه. كما أن مادة التطوّر والاستمرار لهما؛ إنما هي المحافظة على تطبيق مقتضيات هذا التفسير، تلك المحافظة التي تقتضي أن تكون جميع تصرفاتها قائمة على استلهام الدين. وقد ازدادت هذه المحافظة توثقا وشمولا عند كلتيهما حين استحالتا إلى جمعيتين سرّيتين تعملان لتحقيق أهدافهما على أساس التضامن الوثيق القائم بين الأفراد التابعين لكل واحدة منهما. وبالنسبة إلى الإباضيّة؛ فقد تشكلت هذه النزعة في شكل ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص. هذا /67/ القانون الذي يحصر العلاقة الفرديّة بين أتباع هذا المذهب في التضامن الديني، بحيث لا يمكن لفرد أن يأمن لفرد آخر إلا حين يطمئن، لا إلى جامعة

1. الدين يمثل عند المسلمين بجميع مذاهبهم؛ الدستور العام لحياتهم، في أشخاصهم ومجتمعاتهم، وهذا ليس خاصًا بالإباضية أو بالشيعة والحقيقة أننا لم نفهم ما يريده المؤلف من تضييقه لهذا الأمر، وحتى ما يأتي من تفسير بعد هذا؛ لا يوضح كثيرا ما

يقصده.

بينهما فحسب، بل جامعة الوفاء. وأيضا لا الوفاء لتعاليم الدين باعتباره دينا فحسب بل لتعاليم المذهب وأهدافه. وتلك هي الطبيعة التي تحاول كل جمعيّة سرّيّة ذات أهداف انقلابية سياسية أن تتخذ على ما يشاكلها العروة الواشجة بين أفرادها. وعلى هذا القانون اعتمد التشريع الميزابي والمدني والجنائي والإداري. وما لا يمكن التزام الحرفية منه من التشريع الجنائي الإسلامي؛ فكان سلام هيأة (العزابة» لضمان استقرار الأوضاع العرفية والآداب الدينية، وللمحافظة على الوحدة الإقليمية والروابط الحزبية؛ تأديب المتمردين والمنحرفين بإعلان البراءة منهم. وعلى هذه البراءة) أو بالأحرى هذا العقاب قام المجتمع الميزابي في ناحيته التشريعية والعرفية. أما ناحيَتَيْه الخلقيّة، سواء منها الجانب المادّي البحت وجانب التقاليد؛ فأساسها ما ورثه الميزابيون عن عناصرهم المختلفة: العرب والبربر والفرس، كما سلفت الإشارة إليه. وما طبعتهم عليه موقعهم القاسي الذي اقتضاهم ولا يزال مواصلة الجهد الكادح المضني في سبيل إبقاء مزاب على حضارة متطوّرة نامية. فالميزابي شجاع، أبي صلب عنيد، حريص على تقاليده أشد الحرص، مقدس لها أشدّ

1. في الأصل: «التعاليم). 2. في الأصل: «الجناحي).

3

7

في الأصل: (الغرابة). والصحيح ما أثبتناه. 4. الولاية والبراءة ولاية المسلم الموفي بدينه، والبراءة من الكافر ومن الموحد العاصي المصر؛ أمران واجبان عند الإباضية. انظر عن المصطلحين: معجم مصطلحات الإباضية.

5 في الأصل: «قان»، والصحيح ما أثبتته.

6. انظر المبحث الخاص بأصل المزابيين في هذا الكتاب. 7 لعل الأصح: «وما طبعهم».

188

189