أضواء على وادي ميزاب: ماضيه وحاضره مفدي زكرياء

أضواء على وادي ميزاب

الجزء ١ · صفحة ١٤

أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره

قسم التحقيق

التقديس. وتلك بعض شيم البربر والعرب، وهي إلى ذلك الشيم الغالبة على كلّ ما كانت البداوة أدنى إليه؛ لأنّ البداوة تقتضيه 3 أبدا حياة الغلاب وحياة الاستعداد للغلاب. والميزابي كريم مضياف، رؤوف بالمساكين والفقراء حريص على الكسب وكادح في سبيله حريص على الادّخار بصير بطرق الكسب وأسباب التوفير، صبور مثابر مريد لا يلين لقسوة، ولا يخضع للعراقيل والعقبات. وتلك آثار مغالبة القسوة والجفوة والجفاف في أرض مزاب ملعب العواصف والأعاصير، القائمة -كما سلف أن ذكرنا على طبقة مجصصة مسطحة الأفق لا ينبت فيها تلقائيا، وبدون عمل إنساني جاهد، إلا نبات ضئيل متوحش. ولا يكاد الإنسان يعثر على الماء فيها إلا بعد أن يخترق من أعماقها طبقات قد يجد فيها بعض اللين، وقد تكون كلّها صخوراً صماء. وتلك حالة تبثّ في النفس الشعور بالعزّة حين تغلب والشعور بالرحمة والرأفة حين يواجهها ضعف الآخرين والشعور بقيمة الكرم والضيافة؛ لأنهما قد يخففان على الضيف بعض ما واجهته به طبيعة الموقع من عناء. وكذلك اتسم الخلق الميزابي بالعناء الطبيعة عناءً مع

1. هكذا في الأصل، ويبدو أن الأصح: «تلك».

2. هكذا في الأصل، ولعل الأصح: (من).

3. لعل الأصح: «تقتضي).

4. في الأصل: «الاستعدار».

5. في الأصل: «يلبل». 6. في الأصل: (يخترف).

7. في الأصل: صخور». وهو خطأ نحوي بين.

4

يبلغ التحدّي /68/، والاستسلام الله استسلاما يرى حالات العزة في أقصى حالات التذلل والخضوع ولهذا كان؛ ولا يزال الوازع الديني هو الزاجر ذو الأثر العميق للميزابي إن لم يزجره من أعماقه فهو يزدجر له حين تجبهه به السلطة الدينية. وهنا مَكمَنُ السرّ فيما لا يزال لعقوبة البراءة من تأثير. وولاية الأشخاص» و «براءة الأشخاص أساس لا يعتمد عليه التشريع الميزابي فحسب، ولكن تعتمد عليه وشائج القربى والمصاهرة. فالميزابي بعيد عن أقاربه؛ لا يكاد يصهر إليه أحد ولا يعترف له برحم؛ إذا عُرف بفاحشة عرفية أو شرعيّة؛ حتى وإن لم تتوفّر الأدلة عليها ضده لدى الهيأة الدينية، فتصدر عليه حكما ولذلك كان الميزابيون بطيئين جدا حتى في تطوّرهم الشكلي المتعلّق باللباس ومظاهر الوجه. فاللباس الأوربي لم يجرؤ الميزابي على ارتدائه حتى خارج مدن مزاب إلا منذ سنوات؛ لأنّ التقاليد التي اتخذت شيئا فشيئا صبغة الاعتبار الديني؛ تقتضي أن يحتفظ الميزابي بما كان يُرى سمت وقار من الملابس الفضفاضة البعيدة التجسيد. لا بناء على أن عناصر مزاب الأولى لم تكن تتخذ هذا النوع من اللباس فحسب، بل على

1. لعل الصواب: «تجابهه». 2 في الأصل: «فيها».

عن

3. انظر هذين المصطلحين في معجم مصطلحات الإباضية: ولاية الأشخاص، براءة

الأشخاص.

4. في الأصل: «يعيد»، وهو خطأ بين.

5 في الأصل: «تخذت) بدون ألف.

6. في الأصل: «لا نباء».

190

191