أضواء على وادي ميزاب
الجزء ١ · صفحة ١٥أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره
قسم التحقيق
أن الرسول - صلى الله عليه وسلّم والصحابة التابعين، لم يُعرف عنهم هذا الشكل. بل لقد رُوي عنه صلى الله عليه وسلم أنه (نهى عن لبس السراويل المخرفجة).
على أن موقف الميزابيين من أمر الوجه أشد صلابة وعنفا. فقد لبثوا وما يزال حتى المثقفون منهم إلى الآن يرون أن حلق اللحية من كبائر الإثم. وحجّتهم في ذلك من الوجهة الشرعية ما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلّم من فعل وقول. إن اختلفت معانيه؛ فهو في أغلب معانيه متفق على النهي عن حلق اللحية. ونعتقد أن للتقاليد الموروثة أيضا أثرا في هذا التشدّد الصلب العنيف. فلا تزال القبائل المحافظة من البربر والعرب، وغيرهما من الشعوب الشرقية وخاصة، الهند شديدة الاحتفاظ، بل والاعتزاز باللحى، لاسيما حين تكون من الكثافة والانتظام، بحيث تضفي
،
1. هكذا في الأصل. ولعلّ الصواب: «والصحابة والتابعين).
2. حديث النهي هذا عن السراويل المخرفجة رواه أبو هريرة كما جاء في لسان العرب عند كلمة (خرفج. والخرفجة؛ حسن الغذاء في السعة وسراويل مخرفجة طويلة واسعة تقع على ظهر القدم. وفسّر الحديث على أنّه إكراه إسبال السراويل ابن منظور لسان 1/ 819. أبو السعادات المبارك الجزري: النهاية في غريب الأثر، باب الخاء مع الراء، الجزء 2، ص 67.
وكلمة مخرفجة لم نفهمها. وجاءت شبه مطموسة في الأصل. والحقيقة أن تشبث وتعلق المزابيين بالسروال الفضفاض الذي يُدعى عندهم: السروال العربي، إنما هو تعلق بلباس يختلف عن لباس، النصارى، وقد أمر المسلمون ألا يتشبهوا باليهود والنصارى. ثم كذلك؛ هو التعلق بالعادات والتقاليد التي يريد الاستعمار الفرنسي القضاء عليها. فالمزابيون حاربوا الاستعمار حربا ثقافية مستميتة مستمرة بالإبقاء على لباسهم التقليدي وعدم التقرّب منهم والتشبه بهم.
3. الحديث في مسلم: (خالفوا المشركين وفّروا اللحى واحفوا الشارب)، كتاب الطهارة، باب خصال الفطرة، رقم 259
4. في الأصل: «البربر العرب).
على الوجه نوعا من الجلال والجمال الكلاسيكي». ومن قانون ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص نشأ وتركز في نفوس الميزابيين خُلق الامتثال أو الطاعة الحزبية، حتى أصبحت فيهم ظاهرة ترقى عن مستوى الظواهر الاجتماعية العامة إلى مستوى الطقوس التعبدية. ذلك لأن الميزابي دُرِّب على أن يستقبل آليا وشيئا فشيئا بشكل لا شعوري أوامر «العزابة، لا على أنّها تشريعات تنظيمية مدنية، بل على أنها استنباطات من التشريع السماوي المقدس. وبذلك اتخذت تعاليم المذهب؛ حتى فيما يتصل منها بالمحافظة على الكيان أو الطابع المذهبي / 69 / أو الإقليمي؛ صبغة التعاليم الدينية. وهذا الخلق هو الدعامة التي نهض عليها نظام التعايش بين المتساكنين في مزاب، على تفاوت أعمارهم ومراكزهم الاجتماعية. فمهما يبلغ الميزابي من الثروة والجاه أو العلم؛ فلن يستطيع أن يعامل من يكبره سنا وإن ببضعة أعوام غالبا إلا على أساس التوقير والإجلال؛ لأنّ العرف الميزابي درج على إسناد المسؤوليات المختلفة من مسؤولية إدارة العشيرة، إلى مسؤوليات السلطتين التنفيذيتين: الدينية والمدنية، إلى من تقدمت به السن شيئا ما، اعتمادا على أن هؤلاء يكونون غالبا أوفر تجارب وأكثر حنكة ودراية، وأنفذ بصيرة وأحصف رأيا. وحتى في المجلسين الديني والمدني؛ تنحصر
3
1. عن ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص: انظر معجم مصطلحات الإباضية، المصطلحين: ولاية الأشخاص وبراءة الأشخاص.
2 في الأصل: «الغرابة). وهو خطأ، وقد سبق مثله، والصحيح ما وضعناه. 3. المتساكنون في مزاب؛ يُقصد بهم الإباضية والمالكية، البربر والأعراب الذين تساكنوا في المنطقة منذ أمد بعيد .. 4. في الأصل: «العشرة». والصحيح ما وضعناه.
192
193