أضواء على وادي ميزاب: ماضيه وحاضره مفدي زكرياء

أضواء على وادي ميزاب

الجزء ١ · صفحة ١٦

أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره

قسم التحقيق

1

المناقشة غالبا بين الأكبر سنًا من الأعضاء، إذ يجد الأعضاء الأصغر سنا كثيرا من الحرج في مواجهة شيوخهم بالمناقشة. وفي حلقات الدين نفسها؛ يلجأ الطالب حين يشتبه عليه أمر، أو يحتاج فيه إلى مزيد من التوضيح؛ أن يصوغ ما يتراءى له في شكل سؤال التي! يتقدّم به إلى أستاذه في كثير من الخجل والارتجاج. وظاهرة أخرى قد تكون هذه القاعدة أجلى فيها وأوضح؛ هي ظاهرة الخضوع الذي ظل إجماعيًا إلى عهد قريب لتشريعات وضعت منذ حوالي ثلاثة قرون، استجابة لمقتضيات ظروف ذلك العهد. وكان واضحا منها أنّ ما أريد إضفاؤه عليها من الطابع الديني؛ إنما هو استعانة على تركيزها وإقرارها بالتحرّج الديني، إذ ذاك كالتشريعات المتعلقة بعد تبعيّة المرأة لزوجها في ترحاله. فقد خشيت الهيأة الميزابية التشريعية يومئذ على حرم الميزابيين أن تكون عرضة لما ينجر على قوافلهم بين مزاب ومدن الشمال الجزائري، الصراع من قطاع الطرق المحترمين أحيانا، ومع القبائل البدوية المقيمة على حالة حرب مع الميزابيين حالة أخرى، سواء كان ما قد ينجر عليهن سبيا أو إهانة، فما كان الناس يومئذ في الصحراء يلتزمون الحدود الدينية في حرم المسلمين. فأصدرت تلك الهيئة قانونا يمنع المتزوجين من السفر بعائلاتهم، ويمنع النسوة من طاعة أزواجهن إلى ذلك إن أرادوهن عليه. وتأمر السلطة التنفيذية بإجبار من تطيع زوجها أو برغم

زوجه على العودة بها إلى الوطن بكل وسيلة.

وواضح أن هذا تدخل غير مستساغ في الحالات العادية في العلاقات الزوجية، وما ينبغي أن تقوم عليه من استقلال وحرّية

1. هكذا في الأصل. ولعلّ الأصح إزالة «التي) فيستقيم المعنى.

2. بين هاتين الجملتين خلل في الربط.

في نطاق الحدود الدينية. ولكن الميزابيين مع ذلك خضعوا لهذا التشريع، سواء كان ذلك نتيجة منهم لبواعثه وأهدافه، أم نتيجة توقير للكبار المسؤولين، والخضوع الذي يقتضيه النظام الحزبي. وقد يكون للتقاليد الموروثة أيضا أثر غير يسير في تركيز هذا التشريع. فالملاحظ أن المناطق التي لا تزال محتفظة بتقاليدها؛ من مواطن البربر، سواء منهم بربر النجاد العليا وبربر الشمال، وأن بعض / 70 / المناطق العربية، أو التي يغلب العنصر العربي على سكانها، والتي تمتاز بنوع من التقاليد الخاصة، لا يزال يسودها عرف على غرار هذا التشريع. فخروج المرأة منها أمر مستكره أو محظور. على أن هذا التشريع عند الميزابيين لم يكن خاصا بإخراج المرأة من مزاب إلى خارجه فقط، بل شمل أيضا وضع قيود محرجة للخروج بالمرأة من مدينة إلى أخرى من مدن مزاب. وذلك نتيجة لحالات كانت تسود العلاقات بين تلك المدن في الظروف التي وضع فيها هذا التشريع بحيث وسمتها بسمة عدم الانسجام وربّما بلغت العلاقة بينها إلى مستوى الجفاء. وفي هذا تعليل ظاهر للباعث على هذا التشريع بأنه لم يكن إلا سياسيا صرفا. وواضح أنّ الميزابي الذي خضع لأمثال هذه التشريعات؛ لأن الصبغة الدينية أضيفت عليها، أو طاعة لخلق التوقير. والخضوع الحزبي أولى بأن يخضع لما هو من صميم الدين، سواء كان تشريعه بالنص أو بالاستنباط. ولذلك ظل الميزابي إلى عهد قريب من أشدّ الناس تحرجا من المحرّمات؛ حتى ما كان منها من صغائر الإثم أو مما اختلف العلماء فيه كراهة أو تحريما. وظلت مدن مزاب باستثناء (غرداية) تشبه إلى حد كبير بعض المدن التي يقدمها أتباع الأديان الأخرى فبيع الخمر فيها محظور؛ حتى للأجانب. وكذلك التدخين والتبجّح بما لا يتفق والوقار الديني،

194

195