أضواء على وادي ميزاب
الجزء ١ · صفحة ٣٢أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره
قسم التحقيق
وغير مستعملة. أما وسائل النقل؛ فهي إمّا شركات، وإما سيارات مستغلة يملكها سكان البلاد.
6 التجارة
كنا أسلفنا في فصل سابق؛ أنّ أهم عناصر التجارة بوادي مزاب؛ هي المبادلة مع البدويين القاطنين بمحيط مزاب، أو الراحين الغادين إلى أقصى واحات الجنوب. وتأتي في الدرجة الثانية؛ تجارة تموين المقيمين.
فغرداية، وهي بدون منازع؛ الوسط التجاري الأكثر أهمية من كل الأوساط الصحرواية الأخرى؛ إذ هي ملتقى التجار قبل اجتيازهم مفاوز الصحراء الكبرى المخيفة. كما أنها محل سكنى البدو المربين للحيوانات؛ ولئن كانت بريان) و (القرارة تقاسمها جزءا يسيرا من هذا الحظ. ولقد استغل موقع غرداية السكان الصناعيون الذين يتمتعون بثقافة اقتصادية عريقة، ورثوها عن أسلافهم. فقد برهن المزابي شيئا فشيئا عن استعداداته الفطرية التي تؤهله لهذه المهمة التجارية. وربّما ورث الميزابيون هذا الاستعداد عن البربر. وقد يكون أيضا عن الفرس الذين كانوا يتربعون فترة من الزمن على مملكة (تيارت) الرستمية
إن سعة التجارة (بغرداية) لممّا يدعو إلى الاهتمام، حيث أنها بلدة بدون نتاج؛ نظرا لموقعها، إلا أن التاجر الميزابي قد استطاع استجلاب كل شيء من الشمال، ثم هو عدا ذلك ينمي رؤوس أمواله في التجارة المحليّة بميزاب بالتعاون الدائم بين إباضيتها ومالكيتها
1. سبق أن تحدثنا عن أصل عبد الرحمن لما تطرق المؤلف إلى تاريخ الرستميين. فانظره هناك، أو راجع إبراهيم بحاز عبد الرحمن بن رستم مؤسس أول دولة إسلامية مستقلة بالجزائر. المؤسسة الوطنية للكتاب، 1990 م.
تعاونا متينا متماسكا متلاحما قاعدته الإخلاص والنزاهة. وإن جُلّ رؤوس الأموال التي تُغذّي مصارفات سوق غرداية؛ هي مساهمة متوارثة متعاقبة بين الطائفتين / 85 /، يسودها روح الإخاء والطمأنينة والصدق. وليست (غرداية) وحدها المختصة بهذا النوع من المضاربات؛ فإنّ برّيّان) و (القرارة» تُقاسمانها ذلك الحظ
بقسط وافر.
ثامن عشر: الاقتصاد الميزابي خارج مزاب
2
إن المحطات التي نصبها الميزابيون عرض الصحراء؛ قد أخذت في التقلص والانحدار منذ القرن الرابع عشر إذ اضطر الميزابيون إلى توجيه تجارتهم صوب الشمال تحت ضغط الحوادث الكثيرة الناشئة عن اختلافات سياسيّة تسببت في التعرّض للقوافل الجائلة عرض الصحراء، فقصد الميزابيون خط العرض، حيث اختاروا مكانا يحقق علاقاتهم مع الأوساط والمدن الواقعة على الطريق المؤدية للنواحي
1. هكذا فعلا كانت العلاقة بين المزابيين الإباضية والعرب المالكية قبل الاستقلال، وبعده بفترة زمنية معتبرة كان الاحترام المتبادل، وكان أعيان العرب المالكية يحترمون نظراءهم الإباضية، وكان أغلب أولئك العرب في ذلك الوقت أعرابا يسكنون الخيام والأكواخ في محيط المدن المزابية؛ التي تشغلهم في الزراعة والرعي والبناء والحراسة. ولما كان الاستقلال وعم الرخاء، واتبعت الجزائر نظام الحزب الواحد الاشتراكي؛ ضيق على التجار في تجاراتهم، وتعسّف القائمون على تطبيق الثورة الزراعية بمزاب كما في غيرها، فاغتصبت الأراضي، وشيئا فشيئا بدأ الحزب أو بالأحرى؛ القائمون عليه بغرداية بتغذية روح العداء بين المتساكنين، بالنظر إلى فروق التحضر والبداوة والفقر والغنى والعروبة والبربرية وكذلك المذهبية. فليت المتساكنين من العنصرين ينتبهون إلى ما يُحاك ضدهم، وأنه لا يخدم مصالحهم بتاتا، وعليهم بالاعتصام بحبل الله المتين: الإسلام المتمثل في الجزائر في المذهبين الإباضي والمالكي، وهما قريبان جدا من بعضهما، يتطابقان ولا يتنافران، إلا عند
أصحاب الهوى والبغي والطغيان.
2. يقصد القرن 14 للميلاد، الثامن للهجرة.
226
227