أضواء على وادي ميزاب: ماضيه وحاضره مفدي زكرياء

أضواء على وادي ميزاب

الجزء ١ · صفحة ٦

74

14

أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره

قسم التحقيق

2.

وقد يكون للسكان الأوليين بقايا، ولكن هذه البقايا إن كانت لهم لم تستطع أن تحتفظ لنفسها بكيان كلاً ولا بمميزات تفرزها عن النازحين الجدد. فقد استطاع هؤلاء النازحون أن يغمروا بأفكارهم وصفاتهم وتقاليدهم كل ما عسى أن يكون قد بقي من أثر للسكان الأولين، ونحن نرى قراهم ومساكنهم لم يبق منها كما أسلفنا إلا رسوم وأطلال، وأنّ المدن الحالية إنما تعاقب إنشاؤها على أيدي أفواج هؤلاء النازحين. ومع ذلك فمن الصعب أن ندعي بأن السكان الأولين قد اندثروا تمامًا وإن كنا نرجح استنادا إلى خراب دساکرهم وقراهم وزوال مذهبهم وآرائهم أن حرب إبادة وتشتيت قد حدثت بينهم وبين هؤلاء النازحين الذين خاضوها بروح استماتة وبما كان باعثها السّام اليائس من الهجرة المستمرة، وتعلن الأمل بما في تلك المنطقة حصانة طبيعية، وبقايا السكان الأصليين التي يمكن أن تكون قد نجت من هذا الصراع المرير، وفي الوقت نفسه أبت تبرح موطنها، قد رضيت لنفسها أن تنصهر في بوتقة النازحين الغالبين. ولعل ما يرجّح هذا ما يقول به بعض المؤرخين /10 / من

أن

من

1. يقصد قرى: أغرم نتلزضيت، أوّلوال، أو خيرة، أغرم أنوداي، قصر الأحنش، تمزارت، ترشين، أقنوناي ثلاث، موسي بوهراوة بوزيزة انظر متياز: تاريخ مزاب (مخ)، 8. وانظر الحاج سعيد: تاريخ بني مزاب 12 - 11

2. ليس الأمر على هذا أبدا، فبعض المدن الحالية إنّما أسست قبل مجيء الإباضية كالعطف مثلا عام 402 هـ / 1013 م، وبعدها بنورة عام 457 هـ / 1065 م.

بن

3. لم أفهم لماذا ذهب المؤلّف إلى هذا الرأي القائل بالإبادة للسكان الأصليين أي المزابيين الأوائل، والروايات التاريخية لا تذكر شيئا من هذا. وكل ما في الأمر أن أبا عبد الله محمد بكر النفوسي هو الذي جاءهم بطلبته، واستطاع أن يقنع بعض علمائهم بالمذهب الإباضي الذي لا يختلف كثيرا في عقائده عن المذهب المعتزلي، ثم بعد ذلك وعلى امتداد عقود بل قرون من الزمن انضوى الجميع تحت المذهب الإباضي وانتهى المذهب الاعتزالي بهدوء في وادي مزاب كما انتهى من مناطق أخرى من المغرب الإسلامي. انظر مقالنا: المزابيون المعتزلة، كل المقال. انظر الدرجيني: طبقات، 184–1/ 183.

أن كلمة (مزاب) التي أُطلقت عَلَمًا على المنطقة ما هي إلا تحريف لكلمة «مصاب» بالصاد المهملة أو (مضاب) بالضاد المنقوطة، وهي اسم لرئيس قبيلة كانت لها السيطرة على تلك المنطقة قبل أن يغلب عليها النازحون. فقد لا يخلو من الغرابة إذا صح هذا القول أن يقبل الغالبون، وهم إنما تحمّلوا ما تحمّلوا من وهن في سبيل مذهب ومثل، الإبقاء على اسم كبير من ناصبوهم العداء كعلم على منطقة غلبوا عليها، إلا أن تكون الغلبة لم تتمّ نتيجة لقهر مبيد، بل نتيجة صلح تحوّل شيئاً فشيئا إلى الاندماج. ومهما يكن من شيء فإنّ هؤلاء النازحين الغالبين أنفسهم لم يكونوا من عنصر واحد، ولم تكن لهم جامعة تجمعهم إلا جامعة المذهب الإباضي التي كانت بعد زوال الدولة الرستمية سببا في ما عانوه من مطاردة واضطهاد، ومن المتعذر إن لم يكن من المستحيل؛ معرفة العناصر الأصلية التي انحدروا منها. وكل ما يمكن التحقق منه هو أنهم مزاج أمشاج من أجناس شتّى، كان يظلّهُم العَلَم

1. ابن خلدون المؤرخ الوحيد الذي يذكر نسب مزاب بالتفصيل، وينسبهم إلى جدهم مصاب أو مضاب: انظر العبر المجلد 129 - 127،123/ 7، ط بيروت 1971. 2 هكذا نلاحظ المؤلّف يعود إلى استنتاج الحقيقة استنتاجا؛ لعدم توفر المصادر في زمانه، وفعلا انضوى الجميع السكان الأصليون من المزابيين ومن أنضاف إليهم من الإباضية، تحت المذهب الإباضي وتسمية المزابيين؛ لأنّهم هم الأغلبية وليس العكس، ولأن

النازحين تعلموا المزابية ونطقوها فانصهروا في الأغلبية.

3. النازحون الغالبون بمذهبهم الإباضي على المذهب المعتزلي، ولكنهم أقلية. أما السكان الأصليون الذين هم أيضا غلبوا ببقاء تسميتهم ولغتهم المزابية، فصبغوا الجميع بها، فكل من سكن المنطقة وأقام فيها دعي مزابيا، وحتى الوادي أخذ تسميتهم فيقال: وادي

مزاب

75

75