أضواء على وادي ميزاب
الجزء ١ · صفحة ٧76
أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره
قسم التحقيق
الرستمي، ودراسة سطحيّة للغة المزابيين توضح لنا كيف أنهم لم يخلصوا بألسنتهم للهجة معينة من اللهجات البربرية كلاً، ولا للهجة أمشاج من اللهجات البربريّة أو معظمها، فالألفاظ العربية تكون من لغتهم جانبا ظاهراً، وإن كانت البربرية» أو «التمزيب» قد غيرت صيغتها بحيث تتجانس مع الألفاظ الأخرى التي تكوّن / 11 / الجانب الآخر من هذه اللغة و الأمر الوحيد الذي يمكن الاطمئنان إليه هو أن الجانب الغالب من أولئك النازحين الأوَّل أو على الجانب الذي كانت له السيادة والكلمة فيهم هو من مختلف البطون البربرية تدل على ذلك أسماء الشّوارع وبعض أعلام الرجال والنساء في المدن الأسبق إنشاء من مزاب، فهناك من أسماء الشوارع منها أسماء لا تزال إلى الآن أعلاما على مدن وقرى في منطقة القبائل الكبرى بالجزائر، وجربة بتونس والمدن البربرية بالمغرب الأقصى. وفضلا عن ذلك؛ فإنّ غلبة الكلمات ذات الأصل البربرية على اللغة الميزابية دليل على أن الجمهرة الغالبة من النازحين إما أ ن يكونوا بربرا صرحاء، أو أن يكونوا متبربرين، أعني عربا وفرسا هاجروا منذ أوّل الفتح إلى الجزائر فاضطرتهم مقتضيات التعامل
1. هذا الاستنتاج صحيح، فالعناصر النازحة خليط من الأجناس، خاصة إذا جاؤوا من تيهرت عاصمة الرستميين إلى وارجلان محافظين على إباضيتهم ومنها إلى مزاب. فتيهرت كما يقول عنها اليعقوبي كانت تسمى عراق المغرب؛ بما ضمته من أجناس ومذاهب شتى. اليعقوبي: البلدان 104.
2. الجملة بين شولتين ناقصة في نسخة (ذ).
3. القبائل الكبرى؛ منطقة شرق الجزائر العاصمة، ومن أبرز مدنها تيزي وزو، وهي
عاصمة الولاية.
4 جزيرة جربة؛ الجزيرة الصغيرة التي عرفت تاريخا حربيًا طويلا ضد النورمانديين، ويسكنها البربر الإباضية إلى اليوم مع إخوانهم العرب وهي في جنوب شرق تونس العاصمة. انظر سالم بن يعقوب: تاريخ جزيرة جربة تونس 1986. وانظر قاسم بلحاج عيسى: صفحات من تاريخ جربة تونس 1982
إلى أن تغلب البربرية على ألسنتهم وهذا ما نراه أدنى إلى المعقول لاسيما حين نرى النسابين المزابيين يصرون على وصل العشائر الميزابية لا بالنسب العربي فحسب، بل بالنسب النبوي. وبديهي أن هذا لا يكون قائما على أسس قابلة حتّى لمجرد الالتفات، بيد أنه في نفس الوقت يدلنا على أنّ العنصر العربي لم يكن موجودا بين النازحين الأولين فحسب، بل كان ظاهرا أيضا. ومن الواضح أننا لا نريد بهذا أن ننكر ولا أن نستبعد المزابيين من تفرّع عن الدوحة الهاشمية أو القرشية، فبالرغم من
ان
من
أننا لا نعرف في الإباضية الأوّلين من كانوا من سلالة بني هاشم، وبالرغم من أن مظاهرة الهاشميين وخاصة /12 / في العصر الأوّل لمذهب ركيزته الأولى إنكار ما يرونه حقا لهم من وراثة الملك أو على الأقل من امتياز السلالة امتياز رفعة واصطفاء، أمر لا يخلو من غرابة وشذوذ، فإنّنا لا نرى غرابة في احتمال أن يكون من السلالة الهاشمية من ظاهر مذهبا يقوم على أساس عدم الاعتراف بالامتياز الهاشمي وذلك إما بدافع اليأس من أن يعود للفرع النبوي من هذه السلالة الحق الذي تدّعيه وإما بعامل حريّة الفكر وسموّ النفس من
3
1. يذكر اطفيش فعلا أن بعض عشائر وادي مزاب من أصل عربي، بل وبعض العائلات من قبيلة قريش من بني هاشم. القطب اطفيش امحمد: الرسالة الشافية ط حجرية، ص 36
48 47 43 42، 37 وغيرها. وانظر سماوي: العزابة، 576 - 570
2 من أئمة الإباضية الأوائل من الأصل القرشي؛ محبوب بن الرحيل (ت أواخر ق 2 هـ) وابنه محمد بن محبوب. انظر: معجم أعلام الإباضية القرص المضغوط، قسم أعلام المشرق، العلم رقم 1110
3. الامتياز الهاشمي أو حق بني هاشم في السلطة أو بالأحرى حق قريش في الإمامة وحق علي وبنيه ومن جاء بعدهم من سلالته في الخلافة، إنما هو مطلب لم يكن منذ بداية الخلافة، فبنو أمية ومن بعدهم بنو العباس هم الذين كرسوا مبدأ (القرشية في الحكم. وجعفر الصادق في القرن الثاني الهجري كرّس حق الإمام علي وبنيه في هذا الحكم
فتهوسوا بالمطالبة به.
117
77