أضواء على وادي ميزاب: ماضيه وحاضره مفدي زكرياء

أضواء على وادي ميزاب

الجزء ١ · صفحة ٨

أضواء على وادي ميزاب ماضيه وحاضره

قسم التحقيق

التأثر بالرغائب أو النوازع الشخصيّة وخلوصها للعمل على ما تراه حقا ابتغاء لوجه الله. ولذلك فإننا نقف موقف المنتظر للأدلة التي يطمئن إليها البحث العلمي المجرد إزاء ما يؤكده بعض العلماء

من

المزابيين من انحدار بعض عشائر مزاب من هذا الفرع أو ذاك فروع بني هاشم، وقريش وما يؤيّده بعض حفظة الأنساب المزابيين من انحدار بعض تلك العشائر من فروع فارسية وإن كان تأكيد هؤلاء قد يجد مستندا يعضده في أنّ الإباضية كان منهم في العصر الأوّل جانب كبير من الفرس وكان لهم في فارس مجال وكانت لهم محاولات وأمال بل كان مؤسس دولتهم في الجزائر الإمام عبد الرحمن بن رستم رحمه الله وطائفة من من الفرس، وكان الإمام نفسه من أبناء العائلة التي كانت مالكة عند الفتح الإسلامي لفارس. والذي يعنينا من هذا كله هو إثبات أن المزابيين لا يمكن أن يعتبروا بربرا؛ لأنهم ليسوا بربرا صرحاء، كما /13/ أنه لا يمكن

1

أعضاده.

عن عبد الرحمان بن رستم انظر بحاز: عبد الرحمان بن رستم مؤسس أول دولة إسلامية مستقلة بالجزائر. المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر 1990. والحقيقة أن هناك يقول: إنّ عبد الرحمان بن رستم أصله من لذارقة الأندلس (جمع لذريق). انظر من

المسعودي: مروج

الذهب

1/ 186، 357 - 358 ..

2. لم يكن عبد الرحمان بن رستم من أبناء الأسرة الساسانية المالكة. وإنما قيل بأن جده هو رستم القائد الفارسي في معركة القادسية عام 16 هـ / 637 م. وهذا ما قال به ابن خلدون: العبر 225/ 6

3

من

الغريب أن يصرح الكاتب بهذا ويؤكده وكأنّه الحقيقة المطلقة. فالمزابيون بربر صرحاء في البريرية، يعودون إلى جدهم مصاب أو مضاب ومنه التسمية (مزاب»، وهم من زناتة البترية ولا خلاف ولا جدال في ذلك. وهذا ما أكده أبرز نسابة البربر، وهو ابن خلدون في عبره، انظر المجلد 129 - 127، 123 7. أما من أنضاف إليهم وسكن معهم وأخذ منهم كما أخذوا منه بعض العادات والتقاليد؛ فهؤلاء أقلية ذابت في الأكثرية وليس العكس، واعتناق المزابيين للمذهب الإباضي وتركهم للاعتزال إنما تم عبر قرون عديدة، لأنّ الدعاة الذين جاؤوا بالمذهب إلى مزاب إنما هم قلة اتصلوا بالعلماء، وهؤلاء هم الذين نشروه في أوساط مجتمعهم، وليس هناك أي عنف أو

حرب ذات بال. عن ا اعتناق المزابيين للإباضية انظر الدرجيني: طبقات 185 1/ 184

من وجهة النظر العنصرية أن يُعتبروا عربا أقحاحا؛ لأنهم لم يخلصوا للأرومة العربية الصراح، فهم إذن كما أسلفنا آنفا مزاج أمشاج من أجناس مختلفة جمعت بينهم مبادئ ومُثل أولا، ثم وحدت

هي

ألسنتهم ضرورة التعايش. على أن هناك ظاهرة قد ترجّح نسبتهم إلى جانب العروبة وتلك الاستعداد الفطري الذي يمتازون به للتكلّم باللغة العربية، فما يكاد الواحد منهم يتصل بالقراءة العربيّة حتّى يُخلص لهذه اللغة التي حد المرء أن يتساءل؛ ألا يمكن أن يكون هذا الاندماج في اللغة الطارئة دليلا على أن العنصر العربي القح أرجح حظا في أرومته؟ وهذه الظاهرة الفطرية خليقة بأن تجعل المزابيين أوثق نسبًا بالعروبة حتى من بعض القبائل التي تعيش في أطراف الجزيرة وحواليها، والتي انحدرت من سلالات غير عربيّة، ثم اندمجت في الأمة العربيّة حتّى أضاعت لغاتها الأولى ولم يبق فيها من سيماء الهجنة إلا شذوذ يلحظه السامع الذوّاق في لهجاتها. وأيا كان الأصل العنصر الأوّل للميزابيين فإنّهم ظلوا أشدّ اتصالا وأوثق وشائج من غيرهم من البربر الخلص والمتبرزين حتى من الوجهة النفسية المجردة، بالعروبة جنسًا، ولغة وذلك لأنهم أولا كأقلية من حيث المذهبية، وثانياً كفرع من مجموعة انتشرت فروعها هنا وهناك

هم في هذا كغيرهم في المناطق الحضارية ذات الجاذبية كتلمسان وقسنطينة تماما لا فرق، الأغلبية لبني مزاب ومن جاءهم، تعلّم لغتهم واعتنق مذهبهم، وربما يكون على المذهب الإباضي أصلا، فيتمزب باللسان لا غير. احتمال بعيد، كما أسلفنا، فالمزابيون بربر زناتيون ولا جدال في ذلك، ولكن يمكن أن يكون منهم عرب انضموا إليهم، اعتنقوا الإباضية مذهبا، وتعلموا المزابية لهجة. أما نطقهم العربي الفصيح فبفعل محافظتهم على القرآن الكريم دراسة وحفظا منذ الطفولة (إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدَّ وَطْاً وَأَقْوَمُ قِيلاً) [سورة المزمل - الآية: 6].

2

هو

78

79