بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ١٠٠بهجة الأنوار فلم
عبر بالقارظ عن القارِظَين فإن المثل: حتى يؤوب القارظان (26).
99]
(267)
ومثال الثاني قوله تعالى: {رَبِّ ارْجِعُونِ (المومنون: 99) أي رب ارجعني وقول العرب: (شَابَتْ مَفَارِقُه وليس له إلا مفرق واحد. (181) (وقوله الصراط فهو الحق لا جسر كما بعضهم تأولا)
الضمير في (قوله عائد إلى الرحمن في آخر قوله: (وإنما الميزان في الحسبان). أي الصراط في قوله تعالى: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (استك:22) هو عبارة عن الحق، وفي الآية تمثيل لحالتي العاصي والطائع" العاصي والطائع، وعلى هذا يُحمل ما ورد من الأحاديث في بيان الصراط، لأنه إنما هو تمثيل لحالة الحق، وبيان ما فيها من الخطر العظيم، وتمثيل لأحوال سالكيه ما بين موفق ومخذول، وزعم بعض منا وجمهور الأشاعرة أن الصراط إنما هو جسر ممدود على متن جهنم. الى آخر
(270)
(266) القرظ في «العين» للخليل: (وَرَقُ السَّلَم يُدبغ به الأدم، وتقول: قرظته أقرظه قرظاً. والقارظُ جَامِعُها. هـ ومثله في لسان العرب لابن منظور - مادة قرظ - وزاد هناك (75/ 12): (ومن أمثالهم: لا يكون ذلك حتى يؤوب القارظان وهما رجلان أحدهما من عنزة، والآخر عامر بن تميم بن يقدم بن عنزة، خرجا ينتحيان القرظ ويجتنيانه فلم يرجعا، فضُرب بهما المثل ا. هـ أي بالشيء الذي يذهب ولا
يؤوب.
(267) هذا وجه من الوجوه قال أبو حيان في تفسيره (584/ 7) دار الفكر): (وجمع الضمير في ارجعون إما مخاطبةً له تعالى مخاطبة الجمع، تعظيما، كما أخبر عن نفسه بنون الجماعة في غير موضع ا. هـ أما الوجه الثاني فذكره هكذا: (وإما استغاث أولا بربّه وخاطب ملائكة العذاب) ا. هـ ولعل الوجه الأول أرجح بالنظر إلى أن حالة المحتظر تنكشف له فيها الحقائق، فيدرك أن لا منقذ له إلا
الواحد الديان. والله أعلم. (268) في البيت رقم (179).
(269) ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره» (14/ 11) برقم 34604 دار الحديث، القاهرة): (عن قتادة يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) قال: المؤمن عمل بطاعة الله، فيحشره الله على طاعته). وإسناده صحيح متصل كما قال محققه.
(270) الذي يراه أهل الحق والاستقامة (الإباضية) أن الصراط هو الدين القويم، وهو الظاهر في قوله تعالى: {وَاهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ. وتفسير الصراط بأنه جسر على متن جهنم أحَدُّ من السيف وأدَقُ من الشَّعر يَمُرُّ عليه الخلائق يوم القيامة من المؤمنين والمنافقين والمشركين، كل بقدر عمله، لا يتفق
195
بهجة الأنوار فلم
ما وصفوه به وحملوا ما ورد من الأحاديث في بيانه على حقيقتها، وتأولوا بها قوله تعالى: {فَاهُدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الجَحِـ صِرَاطِ الجَحِيمِ * وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ (الصافات: 13 (24) غاية الأمر أن هذه المسألة ومسألة الميزان ليستا من المسائل القطعية لعدم ورود القاطع فيهما وإنما هما من المسائل الظنية، فلا يجب اعتقاد شيء منها ولا يخطئ القائل فيهما برأيه والله أعلم.
مع أن المؤمنين آمنون من الفزع في ذلك اليوم المهول بدليل قوله تعالى: وَلَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّهُمُ الْمَلَابِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ} [الأنبياء: 103] مع قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِنَّا الْحُسْنَى أُوْلَبِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا) [الأنبياء: 101] إذ ظاهرها أن المؤمنين مبعدون عن النار فهم (لا) يسمعون (حسيسها فضلاً عن أن يمروا فوقها، ولا يفزعهم شيء يوم القيامة ومرورهم على الصراط فيه فزع لهم بأي شكل من الأشكال والأحاديث الواردة في هذا الشأن قابلة للتأويل حتى لا تتعارض مع المحكم الثابت من آيات الكتاب العزيز، قال ابن جرير الطبري في «تفسيره» (150/ 1 دار الحديث - القاهرة: (أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعاً على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وكذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الخطفي:
هـ
أمير المؤمنين على صراط إذا أعوج الموارد مستقيم يريد على طريق الحق). ا. هـ ثم يقول: (151/ 1): (ثم تستعير العرب الصراط فتستعمله في كل قول وعمل وصف باستقامة أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوج باعوجاجه. والذي أولى بتأويل هذه الآية عندي أعني: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ أن يكون معنياً به: وَفَقْنَا للثبات على ما ارتضيته ووفقت له من أنعمت عليه من عبادك من قول وعمل، وذلك هو الصراط المستقيم، لأن من وفق لما وفق له، من أنعم الله عليه من النبيين والصديقين والشهداء، فقد وفق للإسلام، وتصديق الرسل، والتمسك بالكتاب والعمل بما أمر الله به، والانزجار عما زجره عنه وإتباع منهج النبي يا لا لا ل. ا هـ ثم إن دلائل الكتاب العزيز ظاهرة في أن الكفار يوم القيامة يُساقون إلى جهنم سوقاً!! ويُدخلون من أبوابها!! وليس فيها أنهم يسقطون من جسر!! إليها، كقوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَفِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَلِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَتِرِينَ (سورة الزمر: 72،71) وعلى هذا فيكون تفسير قوله تعالى: {فَاهَدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيم أي قودوهم إلى طريق جهنم (وقد صرح بمثله ابن الطبري في تفسيره (474/ 9)، ومن شاء المزيد حول الصراط فليطالع «معالم الدين» للعلامة الثميني (189/ 2 و 190) وبالله التوفيق.
جرير