بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ١١٥

بهجة الأنوار فلم

(644)

224

الناس فيه على ثلاث منازل من قال إنَّ في الأمر المشيئة إلى العباد وأن الأعمال مفوضة إليهم ولا قَدَر. فقد ضَادَّ الله في أمره، ومن أضاف إلى الله شيئاً مما ينزه عنه فقد افترى عظيماً على الله عز وجل، ورجلٌ قال إِنْ رُحِمتُ فبفضل الله. فذلك الذي سَلِمَ له دينه ودنياه) (195) (ومن يقل إلهنا لم يخلق أفعالنا بعداً له من أحمق) (196) لقوله لكلِّ شيءٍ خالقُ سبحانه الرب المليك الرازق) (197) (لو كان خالقا سواه لَزِمَا تعدد الإله قطعاً حتما) (198) (ولو تعدد الإله لظهر فسادُ هذا العالم الذي بَهَر) (199) (لكن لنا في فعلنا اكتساب به الثَّواب وبه العِقاب) (200) (مَن ثَمَّ قد نيل به أعلى الرتب إلا النبوات فليس تكتسب) هذا بيان الرد على الفرقة الأولى من القدرية وهم القائلون إنَّ الله لم يخلق أفعال العباد وإنما ذلك خَلْقُ أنفسهم، قالوا: إنَّ الله أكرم من أن يخلق خلقاً فيعذبنا عليه. وتعلقوا في جواز أن يكونوا خالقين لأفعالهم وفي وقوع ذلك بآيات من القرآن منها قوله عز وجل: {وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِينِ كَهَيْئَةِ

[المائدة: 110].

الطير قلنا: إسناد الخلق إلى عيسى في الآية مجاز لا حقيقة، لأنه من إسناد الفعل إلى سببه لا إلى مُوجده فعيسى ا سببٌ لإيجاد تلك الهيئة لا. موجد لها على الحقيقة وإنما الموجد لها هو الله تعالى. ومنها قوله تعالى: {وَتَخْلُقُونَ إِفْكا) (المكبوت:217، قلنا: معنى تخلقون تفترون، أي وتفترون كذباً. ومنها قوله تعالى: {وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ (النحل: 162، قلنا: معنى الجعل هنا الوصف لا الخلق، أي ويصفون

(319) النص في «الضياء» للعوتبي (135/ 2) وزارة التراث والثقافة العُمانية ومنهج الطالبين» للشقصي (423/ 1 - 424) وزارة التراث والثقافة العُمانية).

بهجة الأنوار هيج

الله بما يكرهون من وجود البنات لهم، والآية رد على المشركين في زعمهم أنَّ

الملائكة بنات الله.

[المائدة

ومنها قوله تعالى: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَابِبَةٍ (سد: 103) أي ومن المعلوم أن العرب قد جعلوا البحيرة والسائبة، فنفى ربُّنا أن يكون هذا الجعل من فعله، فصح أنَّه من فعلهم. قلنا نَفَى ربنا عز وجل جعل التبحير وما بعده دِيناً أي لم يُشَرِّع للعرب ذلك، وإنما ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، لا لأنهم الخالقون لها (صفة التبحير) 3، فالمنفي هو شَرْعِيَّةُ مُعتقدهم في البحيرة

وما بعدها ليس إلا.

(320)

ومنها قوله تعالى في قصة يعقوب: بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراك: (يوسف:18)، وقوله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ، نَفْسُهُ، قَتْلَ أَخِيهِ﴾ قلنا: أما [المائدة: 30]. تسويلُ النفس وتطويعها فالمراد به ترغيبها في ذلك الفعل، وتزيينه لفَاعِله، لا أنها هي التي أوجدت فعل ذلك، فسقط تعلقهم بهذه الآيات والحمد لله. و مما استدلوا به من العقليات أنهم قالوا:

لا تخلو أفعال العباد من أحد ثلاثة أمور: إما أن تنسب إليه تعالى وحده، أو تنسب إليه وإلى العبد معاً، أو تنسب إلى العبد فقط، فبطل الأول لاستلزامه الجبر - الآتي بيان بطلانه فيما سيأتي قريباً إن شاء الله -، وبطل الثاني لاستلزامه مشاركة الله في أفعاله، وهو تعالى منزه عن ذلك، فببطلان هذين الوجهين ثَبَتَ الثالث. قلنا: لا نُسلّم استلزام مشاركة الله في أفعاله على ثبوت الوجه الثاني، لأنَّ لفعل العبدِ جهتين جهة إيجاد وهي الجهة التي يخرج بها فعل العبد من

العدم إلى الوجود، وبهذه الجهة تتعلق قدرة الباري تعالى عليها وجهة اكتساب وهي إضافة ذلك الفعل إلى العبد، مع اختيار العبد لذلك وبهذه الجهة تتعلق قدرة العبد فالله تعالى إنما يخلق الفعل للعبد حال اختيار العبد، له وتوجيه القدرة إليه لاكتسابه، فالعبد مكتسب والله تعالى

(320) كذا في الأصلين.