بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ١١٦

بهجة الأنوار فج

226

موجد، وإذا اختلفت الجهتان انتفت المشاركة، فقد سقط بحمد الله ما تعلقوا ولنرجع الآن إلى بيان استدلالنا عليهم.

واستدلالنا في ذلك من طريقين: أحدهما: طريق النقل، وهو المشار إليه بقول الناظم: لكل شيء خالق .. الخ (البيت)، وثانيهما: طريق العقل وهو المشار إليه بقوله: (لو كان خالق سواه .. الى آخر الأبيات).

أما قوله: (لكن لنا في فعلنا اكتساب .. الخ). فاستدراك لما قد يوهم من الاستدلال على نَفْي خلق العبد لفعله أنَّ الأفعال منسوبة إليه تعالى جبراً فرفع ذلك التوهم حيث أثبت للعبد في فعله اكتساباً يُثاب عليه ويُعاقب عليه لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} (البقرة: 1386 وتِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ ثم أخذ في ثبوت تقرير هذا الاكتساب بقوله: (من ثم قد نيل به .. الخ) أي من أجل أن الاكتساب ثابت للخلق في أفعالهم، قد نالوا به أعلى الرتب وتفاوتوا في ذلك كل بحسب اجتهاده

[البقرة: 134].

ثم استثنى من جملة ما ينال بالاكتساب النبوات، وصرَّحَ بأنها ليست مما يكتسب لأنها من الأشياء التي يختص بها ربُّنا مَن يشاء، فيضعها حيث يشاء، من غير أن يتقدم للعبد اكتساب لأسبابها، وتهيؤ لمرتبتها، إذ لا أسباب لها حتى يصح تعاطيها، بخلاف غيرها.

الملك 13 و 14]

فأما استدلالنا النقلي فقوله تعالى: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُم عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق ل: 13 (19) فدلَّت الآيةُ أنَّ جميع ما أسره العباد وما أظهروه خَلْقُهُ، والإسرار والاجهار أفعال العِبَادِ والله تعالى يقول: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَق أي كيف لا يعلم ذلك وهو قد خَلَقَه وهل يخلق من لا يعلم؟!.

وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَتِهِ مَنَامُكُم بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ﴾ (الروم: 23) وكيف يكون الابتغاء للفضل الذي هو فعل من أفعال العباد من آياته وهو لم يخلقه ولم يدبره؟!.

227

[الحديد: 22]

[القمر:

بهجة الأنوار هج

(321)

وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ [يونس: 22] وهو من فعلهم كما ترى فأضَافَه إليه. وقوله تعالى: {مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَبٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا أي من قبل أن نخلقها، وقوله عز وجل: {إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرِ هر] وقوله عز وجل: خَلِقُ كُلِّ شَيْءٍ الامام:102). وأما استدلالنا العقلي فهو: أنَّه لو كان العبد خالقاً لأفعاله للزم عليه تعدد الخالقين، ولكان كل من خلق شيئاً فهو إله ذلك الشيء، فيلزم عليه تعدد الآلهة، وتعددها باطل قطعاً لما ثبت من البراهين العقلية والنقلية على وجوب الوحدانية، ومن تلك البراهين أنه لو تعددت الآلهة للزم عليه فساد هذا العالم الذي بهر الخلقَ صُنعُه لقوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا عَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا الاي. ونحن نشاهد أن هذا العالم غير فاسد فصح أنَّ الإله واحد والله تعالى أعلم. (201) (وفاسق من قال إنَّ الله جل قد جبر الإنسان فيما قد فعل) (202) (وإنَّه لم يجعل استطاعه له لكفر شاءه أو طاعه) (203) (لأنَّه لو كان هذا بطلا أمر ونهي مع وعد جعلا) (204) (وبطل الوعيد مع بعث الرُّسُل وجاز تكليف الجماد كالنُّبُل) هذا بيانُ الرَّدِّ على الفِرقة الثانية من القدرية وهم الجهمية، نسبة لهم إلى

الجهم بن صفوان ("") وهم القائلون بالجبر، المتعلقون بالمشيئة فقط، قالوا:

(321) سقطت من (ب).

(322) أبو محرز جهم بن صفوان السمرقندي قتل مع الحارث بن سريج إبان خروجه على الدولة الأموية سنة 128 هـ كما في تاريخ الطبري) (335/ 7) دار المعارف)، وبما أنه معارض للدولة فمن الطبيعي أن تكال له التهم وتزور عليه الأباطيل وليس بين أيدينا نصوص موثقة عن عقيدة الرجل، يقول السيد حسن بن علي السقاف في تعليقه على «العلو» للذهبي ص (390): (والمقصود هنا أن نبين أن الجهم بن صفوان لم تتبين لنا ترجمة واضحة له ولما تآلبوا عليه هذا التآلب!! فمن رجع إلى ترجمته في سير أعلام النبلاء» (26/ 6) لم يجد شيئاً موثقاً يمكن الاعتماد عليه إلا اتهامات باطلة بعيدة عن

الصحة عند التحقيق.