بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ١١٧

بهجة الأنوار قلم

2295

بهجة الأنوار هيج

إنَّ الله قد جبر العبد على فعل الطاعة والمعصية، وإنه لم يجعل له استطاعة لما شاء أن يفعله من فعل المعاصي والطاعات. فهو عندهم كالجماد لا يستطيع تحركاً إلا أن يُحرك وكالخيط المعلق في الهواء تُقلبه الرياح كيف شاءت، وإنما كان ذلك منهم مخافة أن يكون خالقاً غير الله كما كان من المعتزلة مقالهم مخافة أن يُنسب إلى الله المعاصي، وفعل المكروه، فكلا الفريقين ضال

منافق.

وقد تعلق هؤلاء بآيات من القرآن كما تعلق أولئك، منها قوله تعالى: وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا النجم: 13 (4) قالوا: فالضحك والبكاء من أفعالنا قد أضافهما تعالى إلى نفسه، كما أضاف الإماتة والإحياء فليس لنا فيهما تصرف. قلنا: أضافها الله تعالى إلى نفسه لكونهما خلقاً له لا لنا، وإنما لنا من ذلك الاكتساب المناط بالاختيار، فالأفعال خلقٌ منه واكتساب منا، وخلقه للأفعال لا يستلزم الجبرية – كما سيأتي بيانه -

ومن راجع المصادر المشار إليها في حاشية ترجمته القصيرة هناك لم يجد إلا أن الجهم كان ضمن المعارضين لبني أمية، وقد قتل مع جملة المعارضين والخارجين على حكام بني أمية.

ثم إننا لا نعرف للجهم أتباعاً يقال لهم الجهمية البتة!! لكن بعض أهل الحديث ممن ينزع إلى التشبيه والتجسيم ويميلون مع تلك الدولة القائلة بالتجسيم والجبر صاروا يلقبون كل من يخالفهم في مسألة بأنه جهمي!! حتى في عصرنا هذا نجد المتمسلفين المجسمة يلقبون مخالفيهم بأنهم جهمية، مع أن مخالفيهم لا يعرفون من هو الجهم بن صفوان، وليس لديهم فكرة عن سيرته وحياتها. هـ وقد طالعنا بعض ما كتبه الحشوية المجسمة ورميهم مخالفيهم المنزهين له تعالى - عن صفات الأجسام أو الجوارح والأعضاء - بأنهم على عقيدة الجهمية!! ويعممون ذلك على كل من خالفهم كالأشاعرة وأهل الحق والاستقامة والزيدية والمعتزلة والجعفرية، يستجلي ذلك من له اطلاع بكتب شيخيهم ابن تيمية الحراني وتلميذه ابن قيم الجوزية، فضلاً عن المفتونين بهما، والله المستعان

وقد قتل الجهم بمرو على يد سلم بن أحوز بأمر من نصر بن سيار (انظر: ميزان الاعتدال للذهبي 426/ 1، ولسان الميزان لابن حجر 142/ 2، والفرق بين الفرق لعبد القاهر البغدادي ص 211، والتنبيه والرد لابي الحسين الملطي،9996، والتبصير في الدين للاسفرايني،64، والفرق بين الفرق للبغدادي

ومنها قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾ (الأمام:) وقوله تعالى: {فَأَنَّى،

تُصْرَفُونَ: اليونس: 132 قالوا: فمن يؤفكهم ومن يصرفهم إلا الله. وقوله عز وجل: مَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ} [الأعراف: 186) وقوله: {مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ، وَلِيَّا مُرْشِدًا الكهف: 17) والجواب عن هذه الآيات كلها هو عين الجواب عن الآية الأولى. ومنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَنَهَا﴾ [السجدة 13 قلنا: لا تعلق لكم في هذه الآية ولا في شيء من نظائرها، لأنها إخبار عن نفوذ قدرته تعالى، وتأثير إرادته، أي فلو شاء أن يفعل لهم الهداية لفَعَل لهم ذلك، لأنهم لا يعجزونه، لكن اقتضت حكمته تخييرهم بين الهداية والضلالة، وقد جعل لهم قدرة صالحة لاكتساب أي واحد شاءوا فلا جبر. وإذا عرفت تعلقهم بهذه الآيات فارجع إلى الوقوف على الاحتجاج عليهم، وبيان ما يؤدي إليه، مذهبهم، فاعلم أن الاحتجاج عليهم من الكتاب العزيز كثير، منها ما أوردَتْهُ المعتزلة استدلالاً لهم على خلق أفعالهم، فإن جميع ما مَرَّ في ذلك منافٍ للجبر الذي زعمه هؤلاء. ومنها آيات الاكتساب فإنها مصر - حة بإضافة الكسب إلى العبد قطعاً، وإذا ثبت لهم الكسب انتفى الجبر لأنهما متضادان عمل الطالع وأما ما يؤدي إليه مذهبهم من البطلان فهو ما أشار إليه الناظم بقوله: (لو كان هذا .. الخ). أي لو صح مذهب الجبرية، وثبت القول بالجبر للزم عليه بطلان الأمر والنهي، والوعد والوعيد، لأن العبد إذا لم يكن له قدرة على فعل شيء من المأمورات ولا على ترك شيء من المنهيات كان توجيه الأوامر والنواهي إليه عبثاً يُنزه الباري تعالى عنه، وإذا بطل توجيه الخطاب إليه بالأمر والنهي، بطل توجيه الوعد والوعيد إليه، لأن الوعد مترتب على فعل الأوامر والوعيد مترتب على فعل المناهي، وإذا بطل هذا كله بطل إرسال الرسل لأنهم إنما يُرسلون لذلك، ومع بطلان ذلك، فلا فائدة ولا حكمة في الإرسال فيؤدي مذهبهم إلى إبطال النبوات كما ترى نعم ويؤدي إلى إبطال التكليف رأساً قبل 102 رتال اربعة التالية كما لقالة

قالت لها

ص 211).