بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ١١٨بهجة الأنوار هند
لأن من لا اكتساب له ولا اختيار لا يصح في الحكمة تكليفه كما لا يصح تكليف النباتات والجمادات وهذا معنى قوله: (وجاز تكليف الجماد کالنبل) جمع نبيل وهو العاقل ثم إنه لما كان للجبرية شُبَهُ في خلق الله تعالى لأفعالنا، وفي علمه بهن، وفي إرادته لهن، أخَذَ يدفعُ وجهَ الشَّبهة في ذلك، ويبين أن هذه الأشياء كلها لا تستلزم الجبر ولا تنافي الاكتساب فقال: (205) (وخلقه أفعالنا وعلمه بهن لا يوجب جبراً حكمه) (206) (كذاك كونها له مرادا لأنه قد خير العبادا) (207) (لو لم يكن يعلم ذا لجهله لو لم يكن خالقه من فعله (208) (لو لم يُرد وقوعه ووقعا لكان مكرها على ما صنعا (209) (لكن لذا التخيير واكتسابنا قد انتفى الإجبار عن رقابنا) أي نعتقد أنه تعالى خالق لأفعالنا، وأنه تعالى عالم بها، ومريد لها، ومع ذلك كله فهو قد خَيَّرَنا في فعلها وتركها، أي لم يجبرنا على واحد من الأمرين. فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وقد وعد بالثواب على امتثال أوامره وترك مناهيه وتوعد بالعقاب على فعل مناهيه أو ترك أوامره. ولا يلزم من خلقه تعالى لأفعالنا ومن علمه بهن ومن إرادته لهن جَبْرنا على فعلهن، ونَفْي اكتسابنا لهن، لأنه تعالى لم يثبنا ولم يعذبنا على خلقه لهن ولا على علمه بهن ولا على إرادته لهن، وإنما أثابنا وعذبنا على اختيارنا وكسبنا لهن وهو تعالى قد جعل لنا اختياراً في ذلك وقدرة صالحة لاكتساب ذلك، فلأجل
هذا الاختيار، ولأجل هذه القدرة المكتسبة، قد انتفى عنا الجبر على أفعالنا. وإنما قلنا إن الله عالم بأفعالنا لأنه لو لم يكن عالماً بها للزم أن يكون جاهلاً بها، وهو تعالى متصف بالكمال الذاتي، والجهل من صفات النقص يستحيل اتصافه به تعالى، وهذا معنى قول الناظم: (لولم يكن يعلم ذا الجهله). وأما معنى قوله: (لو لم يكن خالقه من فعله). أي لو لم يكن تعالى خالقاً لأفعالنا فمن الخالق لها إذن؟! هل من خالق غير الله؟ وقد تقرر فيما
بهجة الأنوار فلم
تقدم بطلان القول بأن العبد خالق لفعله، وإذا بطل أن يكون العبد خالقاً لفعله فبطلان أن يكون غيره من المخلوقات خالقاً لفعله أظهر، وإذا بطل هذان النوعان ثبت أن الخالق لذلك هو الإله.
وأما قوله: (لو لم يرد وقوعه .. الخ). أي لو لم يرد تعالى وقوع فعلنا ووقع على خلاف مُراده للزم عليه أن يكون مُكْرَهَاً على وقوع ذلك الفعل مغلوباً في حدوثه، والإكراه ينافي الاختيار والإرادة، ومَن كانت هذه حالته فليس بإله، على أنه تقرر أن الإله متصف بالكمال الذاتي والإكراه يضاد ذلك وينافيه والله تعالى أعلم.
الله