بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ١٢٠

بهجة الأنوار فج

234

وما ورد من الآيات والأحاديث ما ظاهره مخالف لهذه الأدلة فهو محمول على المعنى اللغوي جمعاً بين الأدلة، فإنَّ الشارع تارةً يُعبّر باللفظ عن معناه اللغوي وتارةً عن معناه الشَّرعي، كل ذلك بحسب مقتضى الحال فلا تنافي في الكتاب العزيز ولا في السُّنَّة والله تعالى أعلم (213) (في وجهه الشرعي ليس ينقص لكن يزيد هكذا قد خصصوا) (214) (لأنه إن هدم البعض انهدم جميعه وذا هو القول الأتم اختلف الناسُ في الإيمان الشرعي فذهب بعض قومنا إلى أن الإيمان الشرعي يزيد وينقص وعليه جمهور الأشاعرة، وذهب بعضهم إلى أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وعليه أبو حنيفة وإمام الحرمين وبعض الأشاعرة.

(325)

(326)

(324) حين قدم عليه وفد عبد القيس (فقالوا: يا رسول الله إنا نأتيك من شُقَّة بعيدة، وإن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في شهر الحرام فمُرنا بأمرٍ فضل نُخبر به من وراءنا، ندخل به الجنة. قال: فأمرهم بأربع ونهاهم عن أربع. قال أمرهم بالإيمان بالله وحده. وقال: هل تدرون ما الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا الخمس من المغنم … الحديث». وقد جاء من طريق ابن عباس رواه البخاري في صحيحه برقم [53 و 87] ومسلم في صحيحه» [17] باسنادين، وأحمد في مسنده» [2025] والترمذي في سننه» [2611] وأبوداود في سننه» [4677] وابن حبان في صحيحه» [172/ الاحسان والبيهقي في شعب الإيمان) برقم [18] والمروزي في «الصلاة» [390]. وهذا الحديث حجة للقائلين بأن الإيمان والإسلام شيء واحد لا فرق بينهما. (325) قال في «الفقه الأكبر بتعليق الكوثري ص (65) المكتبة الأزهرية للتراث) ما نصه: (وإيمان أهل السماء والأرض لا يزيد ولا ينقص من جهة المؤمن به، ويزيد وينقص من جهة اليقين والتصديق. ا. هـ وانظر شرح الملا علي القاري عليه ص 183) وما بعدها. دار النفائس). (326) انظر كتابه «الإرشاد ص 335) مؤسسة الكتب الثقافية. وهو أبو المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف بن محمد الجويني إمام الحرمين من علماء الشافعية ولد سنة 419 هـ من كتبه «البرهان» في أصول الفقه والإرشاد في أصول الدين» و «الشامل» و «العقيدة النظامية» في أصول الدين عى مذهب الأشاعرة و نهاية المطلب في دراية المذهب في الفقه وغيرها. توفي عام 478 هـ. (انظر: تبيين كذب المفتري لابن عساكر،278، وطبقات الشافعية للتاج السبكي 165/ 5 - 222، والأعلام للزركلي (160/ 4)

بهجة الأنوار فنج

وذهب أصحابنا إلى أن الإيمان يزيد ولا ينقص، وبيان ذلك أنَّ الإيمان عندنا هو الوفاء بجميع الواجبات، فمن وجب عليه فرض لا يكون مؤمناً حتى يؤديه على وجهه، ثم يزيد الإيمان بزيادة التكاليف، ولا يصح نقصه لأن نقصه إخلال ببعض الواجبات، وقد تقدم أن التارك لبعض الواجبات عليه خارج عن الإيمان، فالترك لبعضه ترك لجميعه، أي لا ينتفع ببعض إيمانه في

الآخرة. والمراد بعدم انتفاعه بذلك في الآخرة هو أن بعض الإيمان لا ينجيه من عذاب الله، لا أنه لا يخفف عنه العذاب لأجل ذلك، فإن العذاب متفاوت في أهل المعاصي كل على قدر جنايته، جزاءً وفاقاً، وهذا معنى قول الناظم: (إن هدم البعض .. الخ).

لا يقال إن المراد بنقصان الإيمان هو ارتفاع بعض الواجبات عن المكلف لعذر، كارتفاع وجوب الصلاة عن الحائض، لأننا نقول: إن الإيمان في حق من رفع عنه بعض الفرائض هو وفاؤه بما بقي عليه من الواجبات، فإيمانه إن وفى بما عليه كامل لا ناقص.

لكن لو أن القائل بنقصان الإيمان أراد نقصانه بهذا الاعتبار لكان الخلاف بيننا وبينهم لفظياً، صورته أنهم يُسمون من ارتفع عنه وجوب بعض ما كان عليه ناقص الإيمان، ونحن نمنع من تسميته بذلك، والمراد واحد. لكنهم لم يريدوا ذلك وإنما أرادوا بنقصانه الإخلال ببعض الواجبات، وعلى هذا فالخلافُ معنوي مبني على الخلاف في حقيقة الإيمان فتفطن له، والله تعالى

اعلم.