بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ١٢٣بهجة الأنوار فنج
أو متبراء منه بالحقيقة، لأنه يتولى ويتبرى بحكم الظاهر، وبالحقيقة، وما كان محتملاً للظاهر والحقيقة فلا يُقطع بأنه (30) من الحقيقة.
(330)
أما قوله: إن فلاناً من أهل الجنة أو من أهل النار. فلا يحتمل إلا الحقيقة، فإنه وإن جاز لنا أن نقول بحسب الظاهر إن فلاناً من أهل الجنة لمن علمنا منه خيراً، وإن فلاناً من أهل النار لمن علمنا منه ضد ذلك، فإن هذا القول منا مجاز، عبّرنا به عن فعل ما يؤدي إلى ذلك، والقرينة أحوالنا أو هي العلم بأنا لم نطلع على الغيوب، والعلم بأنا لم نُرد حقيقة هذا القول. وهو ممن اطلع على كثير من المغيبات فإذا صدر منه مثل هذا الكلام قطع بأن المراد منه حقيقته، إلا بدليل يصرفه عنها، ولأنه لو لم يرد بهذا الكلام حقيقته مع إمكانها، وعدم قرينة المجاز، لكان هذا الكلام كذباً بحسب الظاهر، والكذب في حقه له مستحيل. سلَّمْنَا أنه ليس بكذب لكنه تلبيس على السامع بحيث يفهم الكل منه خلافَ مُراده، والتلبيس في حق الأنبياء عليهم السلام مستحيل أيضاً.
وأنواع هذا الطريق هي أنواع الطريق الأول، وحكم ما صرح باسمه في هذين الطريقين أن يعتقد فيه باسمه ما اقتضاه النص فيه، وكذا حكم من صُرّح بكنيته، فإنا نعتقد في صاحب تلك الكنية ما اقتضاه النص فيه، وحكم ما جاء من ذلك مُبهاً مُنَكَّرَاً أن نعتقد فيه مقتضى النص بحسب تلك الصفة التي نُعت بها، ولا نُصَرِّح باسمه ولا بكنيته في الاعتقاد حتى يُنقل لنا التواتر أن هذا المذكور في هذا النص هو فلان باسمه أو بكنيته أو تجتمع الأمة على ذلك فحينئذ (33) يلزمنا القطع به وقصده بذلك الحكم بعينه. واعلم أن هذا الطريق لا يتأتى مقتضاه ولا يصح الحكم به إلا من أحد أمرين: • أحدهما: المشاهدة للرسول الناطق بهذا الكلام، وشرطوا فيه أن ينظر شفتيه عند النطق به، كل ذلك دفعاً للاحتمال، فإنه متى ما لم ينظره كذلك احتمل أن
(330) في (أ): به. وفي (ب) به أنه وأصلحته للسياق. (331) في الأصلين: فإذن. وأصلحته للسياق.
بهجة الأنوار هج
يكون الناطق بذلك غير الرسول والحقيقة حكم قطعي لا ينبني على
الاحتمال عندهم ..
وثانيهما: الشهرة القاضية بصدور ذلك الحديث من ذلك الرسول، وكأنهم أرادوا بهذه الشهرة التواتر، فإنه هو الذي يُقطع بصدقه، ويحتمل إنهم أرادوا ما يعم المتواتر والمستفيض المتلقى بالقبول، فإن المتلقى بالقبول بين الأمة مقطوع بصدقه فلا معنى لما قاله الشيخ ناصر بن أبي نبهان (33) من أنَّ الشهرة لا توجب ولاية الحقيقة. وقد انفرد بهذا القول من بين سائر الأصحاب. هذا وأما شهادة العدلين فإنها لا توجب الحقيقة في الولاية والبراءة لأنه لا يصح القطع بصدق مقالهما، نعم يصير من شهدوا فيه بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه كذا مما يوجب الحقيقة يصير مُتَوَلَّى بالظاهر أو متبراء منه بالظاهر حتى يُعلم. منه حدث يخالف ما شهدوا به فيُحكم عليه وله بمقتضى حدثه القسم الثاني: الوَلاية بحكم الظاهر والبراءة بحكم الظاهر: ولهما طرق وصفات نذكرها في الباب الآتي إن شاء الله
(332) أبو محمد ناصر بن الشيخ جاعد بن خميس بن مبارك بن يحيى من نسل الإمام العادل الخليل بن شاذان بن الإمام الصلت بن مالك الخروصي. ولد سنة 1192 هـ ونشأ في بلدته (العليا) من وادي بني خروص، تخرج على أبيه الذي كان علامة زمانه فلا غرو أن يكون الشيخ ناصر هو الآخر عالم وقته. وهو عالم مفنن برع في أكثر العلوم مع تخصصه في علم الشرع. وبعد وفاة والده عانى من عدم الاستقرار وشظف العيش وسوء الحال إثر تسلط بعض الجبابرة الذين أتلفوا أموال والده، فتردد كثيراً يطوف بين بلاد أهله بني خروص وبين نزوى حتى ذكر المؤرخون أنه لشدة حالته كان يأكل الخبز بالماء والليمون سنةً في نزوى وعن تلك الأيام يقول: معيشتنا؛ خبز الغالب قوتنا وماء وليمون وملح وقائع فإن حصلت مع صحة الجسم والتقى فيا حبذا هذا لمن هو قانع
ثم سافر إلى زنجبار حيث استدعاه السلطان سعيد بن سلطان بعدما علم بما حصل له، وله عدة كتب لم تطبع سوى بضع رسائل مدرجة في قاموس الشريعة للعلامة السعدي. انتقل للرفيق الأعلى يوم الأحد 22 جمادي الأولى سنة 1263 هـ في زنجبار وقبره في (ميتوني) بها. (انظر: الفتح المبين لابن رزيق ص 150 وتحفة الأعيان للسالمي،175/ 2، والبوسعيديون للفارسي ص 90، والشيخ سعيد بن خلفان الخليلي … وفكره لـ د. مبارك الراشدي ضمن قراءات في فكر الخليلي
ص 116 - 118).
لوالتي