بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ١٣٤

بهجة الأنوار هيج

صغيرة، لا إنكار لحكمها، فإن حكمها ثابت بنص الكتاب (30) ليس لأحد

دو

رده

وبعض أصحابنا قال بوجود الصغائر وأنكر تعيينها في الخارج، فمعه أنها موجودة غير معلومة للبشر، قال: ولو عُيّنت لكان تعيينها اغراء على ارتكابها من حيث أنها معفو عنها باجتناب الكبائر.

و

وذهب جمهور أصحابنا من أهل المشرق الى أنها موجودة في الخارج معلومة للبشر، ومثلوا لها بالكذب الخفيف، وبالرقص، وباللعب الغير مباح وهذا معنى قول الناظم (مثل الكذب إن خف .. الخ) والمراد بالكذب الخفيف هو: الذي لم يُبطل به حق ولم يُعَطَّل به حكم. فإن ترتب عليه أحد

هذين المذكورين فليس بخفيف، ويكون حينئذ من كبائر الذنوب. والمراد باللعب الغير مباح هو اللعب الذي لم ترد من الشارع إباحته، فإن ما كان منه مباحاً فليس بمعصية أصلاً، وذلك مثل ملاعبة الرجل لفرسه وقوسه وعِرْسِه وولده الصغير وما أشبه ذلك، ولربما خرجت هذه الأشياء وما أشبهها من حد الإباحة إلى حد الإباحة إلى حد الندبية، وربما خرجت عن الإباحة إلى [حكم] التحريم بحسب النية والله تعالى أعلم. (252) (ومن أصر لصغير فكمن أتى الكبير في الكتاب والسنن للصغائر من الذنوب أحكام، كما إنَّ لكبائرها أحكاماً أيضاً، فمن أحكام الصغائر ماهو مشترك بينها وبين الكبائر، وهو كون الإصرار عليها كبيرة، فإن كون الإصرار كبيرة، موجود في الصغائر والكبائر.

(360

ومن أحكامها ما هو مختص بها دون الكبائر وسيأتي بيانه عند قول الناظم: (والحكم للراكب ذنباً صَغُرا .. البيت))، فأما الإصرار على الصغيرة فإنه يُصيّرها كبيرةً من كبائر الذنوب لقوله تعالى: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا

(359) من ذلك ثبوتها في قوله عز شأنه على لسان أهل النار: مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا

كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَنَهَا) [الكهف: 49].

(360) في (ب): حد التحريم. (361) البيت رقم (255).

263

بهجة الأنوار فج

وَهُمْ يَعْلَمُونَ (ال عمران: 130) بعد قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ .. الآية﴾ (ال عمران: 130) فإن قوله تعالى: {وَلَمْ يُصِروا معطوف على قوله: {ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ أي ذكروا عقاب الله، فحملهم ذلك على طلب الغفران والإقلاع عن الذنب، وفعل ذلك واجب بعد فعل الفاحشة، وبعد ظلم النفس، ووجوب ذلك قطعي لهذه الآية وغيرها، فوجوب المعطوف عليه قطعي لذلك، هذا تحرير الاستدلال بالآية وفيه نظر لا يخفى على متأمل، ووجه ذلك النظر أنه لو سُلّم وجوب ترك الإصرار لما ذكر هاهنا، فليس فيه دليل على تحريمه في الصغيرة، لأنه إنما سيق في مقام الإقلاع عن الفاحشة، وظلم النفس وهما كبيرتان، فالأحسن الرجوع إلى الاستدلال بالسُنَّة وإجماع الأمة، على أنهم لا يجتمعون على ضلالة بنص الشارع على ذلك

فمن السنة الصريحة في ذلك قوله: «هلك المصرون قدماً إلى النار (362) وفي حديث: «لا صغيرة عند إصرار ولا كبيرة عند توبة واستغفار (33) وهذه الأحاديث وإن كانت أحادية الإسناد فمعناها

(363)

(362) لم يتيسر لي العثور عليه. وفي تفسير الطبري (438/ 3) دار الحديث – القاهرة) سورة آل عمران آية 135: [حدثنا بشر قال: ثنا يزيد قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: {وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ: فإياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون الماضون قُدما، لا ينهاهم مخافة الله عز وجل عن حرام حرمه الله عليهم، ولا يتوبون من ذنب أصابوه، حتى أتاهم الموتُ وهم على ذلك. وأشار محققه إلى حُسْنه، لكنه موقوف على قتادة كما ترى.

(363) أخرجه القضاعي في مسند الشهاب برقم [853] من طريق ابن عباس مرفوعاً بلفظ: «لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار وفي اسناده مقال من أجل أبي شيبة الخراساني. وجاء مرفوعاً كذلك في رواية موضوعة بوب لها الحارث بن أبي أسامة في مسنده) كما في بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث برقم [55] ص 70) دار الطلائع) بعنوان: (باب) في خطبة قد كذبها داود بن المحبر على رسول الله والمتهم بها شيخه الأفاك ميسرة بن عبد ربه، وفيها قبيل خاتمتها فإنه لا صغيرة مع إصرار، ولا

كبيرة مع استغفار). وذكرها من طريقه البوصيري في مختصر اتحاف السادة المهرة» (515/ 2 دار الكتب العلمية - بيروت، ط 1996 م). وجاء موقوفاً على ابن عباس في «شعب الإيمان للبيهقي [7268] قال: (لا كبيرة بكبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة بصغيرة مع الاصرار). وفي اسناده الخلالي والمنيعي لم أعرفهم.