بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ١٤٠

بهجة الأنوار فج

274

وأما القسم الثاني وهو كفر النعمة، فهو ما كان من الكبائر، وليس فيه رد لتنزيل، ولا تكذيب لرسول، فإن هذا النوع يسمى كفر نعمة، ويسمى أيضا نفاقاً، وهذا معنى قوله: (وبالنفاق الثاني منها وسم). أي علم. أي سُمِّيَ القسم الثاني من قسمي الكفر بالنفاق، ولا يجوز إطلاق اسم النفاق على الشرك، فلا يُسمى المشرك منافقاً، كما لا يُسمى المنافق مشركاً، وهذا معنى قوله: (وامنعه في الأول). أي امنع اسم النفاق في القسم الأول من قسمي الكفر فإنه لا يجوز إطلاقه عليه، وإنما امتنع إطلاق كل واحد من الاسمين على مسمى صاحبه، لما يترتب على كل واحد منهما من الأحكام ما لا يترتب على الآخر، فللمنافق أحكام تخالف المشرك، وكذا للمشرك أحكام تخالف أحكام المنافق، فالمنافق يُناكح ويُوارث ويُعامل في الدنيا بأحكام المؤمنين، إلا في مواضع مخصوصة وهي رَدُّ شهادته، وترك ولايته، ووجوب البراءة منه، وحل قتله وإضاعة ماله * إذا صَدَرَ منه بغي [ولم يُقدر على رده

(380)

(379)

عن بغيه إلا بذلك]، وأما أحكام المشرك فقد تكفل الناظم ببيانها فقال: (272) (واحكم برجس أهله على الأبد واغتنمن في الحرب منهم السبد) تناكحا توارثاً منا لهم) (273) (واسب ذراريهم وحرم ذبحهم (274) (وهكذا منهم لنا سواء في الحرب أو بجزية هم جاءوا) اعلم أن لأهل الشرك أحكاماً تخالف أحكام أهل النفاق بحكم

الظاهر:

أحدها: أنه يُحكم برجس أهله، والرّجس بكسر الراء وسكون الجيم القَذَر، قال في القاموس: (ويحرك وتفتح الراء وتكسر الجيم) (انتهى). ولا

275

بهجة الأنوار فلم

يصلح في البيت إلا الوجه الأول الذي قدمناه، ويُطلقُ أعني اسم الرجس على كل ما استُقْذِرَ مِن الأعمال المؤدية إلى سوء العاقبة. وليس هذا من غرضنا، فإن المشرك والمنافق مشتركان فيه، قال تعالى في المنافقين: {إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَنهُمْ

جَهَنَّمُ

[التوبة: 95].

وإنما عرضنا الوجه الأول لا غير، وهو القَذَر، ونعني به عَدَم الطهارة، فإن المشركين منعدمون من طهارة التوحيد، فيُحكم عليهم بالرجس وكذلك ما مشوه من الرطوبات (38)، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

[التوبة: 28].

(382) قال المصنف الله في أجوبته» (18/ 1) وما بعدها ما نصه: (إنَّ المشركين عند أصحابنا نوعان: كتابي وغير كتابي فالكتابي هم اليهود والنصارى والصابئون على قول فيهم، وقيل إن الصابئين ليسوا من أهل الكتاب، وغير الكتابي هم المجوس وعبدة الأصنام من العرب وغيرهم ممن لا دين له إلا

عبادة صنمه.

فأهل الكتاب لهم أحكام تخصهم لم يشركهم فيها من سواهم من المشركين، ومن تلك الأحكام أنهم اختلفوا في طهارة أهل الكتاب فقال قوم: هم طاهرون وقيل بعدم طهارتهم. احتج القائلون بطهارتهم بقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَبَ حِلٌّ لَّكُمْ﴾ [المائدة: 5] والطعام عام. وقال غير واحد المراد بالطعام الذبائح وهو قول حكاه ابن محبوب، وتوضأ عمر من جرة نصرانية، وأكل النبي و من اللحم الذي أهدته اليهودية. واحتج من قال بنجاستها أن النبي لا اله الا هو أمر أن تغسل آنية الكتابي إذا احتيج إليها. قال القطب: ولا حجة في ذلك لاحتمال أنه أمر بغسلها لأنهم يتناولون الأنجاس والمحرمات فيها. وظاهر ميله رحمه الله إلى القول بطهارتهم بل صحح ذلك في الذهب الخالص. [ص 93]

ثم إن ظاهر كلام الأصحاب إطلاق الخلاف في طهارة الكتابي من غير أن يُعتبر صلح أو حرب، قال القطب: وقيد الشيخ يحيى توفيق الخلاف بالكتابي غير المحارب وأما المحارب فنجس. قال: واختلفوا في ذبيحة المحارب منهم والراجح تحريمها عندهم، وذكر بعض المشارقة في كتابي غسل يده أنه قيل طاهرة ما لم تعرق وقيل ما لم تنشف

(379) كحانات الخمر، وأوكار الدعارة والمخدرات، ولا يقوم بذلك كل أحد، بل من ولي الأحكام في البلد. (380) من (ب) وليست في (أ). (381) انظر: «القاموس المحيط للفيروز أبادي ص 548) مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 8، 2005 م) مادة:

رجس

وأما غير أهل الكتاب فقال أصحابنا إن أعيانهم نجسة، ولكنه لا يتنجس ما لقيها إلا إن كانت مبلولة أو كان مبلولاً، وكذلك قال ابن عباس في عبدة الأوثان أن نجاستهم لأعيانهم من حيث الشرك، واحتجوا بذلك بقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التوبة: 28] قال القطب: وأكثر قومنا على طهارة أبدان المشركين بل قيل اتفقوا على ذلك: وقيل: إن الخلاف في المشركين من غير أهل الكتاب موجود في المذهب أيضاً.