بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ١٤٤

بهجة الأنوار قلم

284

له

على امتثال ذلك انبعثت نفسه، وتحرك خاطره إلى تدارك ما ترك من المأمورات، والإقلاع عما ارتكب من المنهيات وأورثه ذلك الامتثال الندم على ما فات من الزلات فالتجأ إلى الله تعالى طالباً لغفران الخطايا والسيئات فكان ذلك منه هو التوبة بعينها، فإذا حصلت له هذه الخصال انتهى به الحال إلى بلوغ مراده وهو غفران ذنوبه، وستر عيوبه وحط أوزاره، وهذه الخصلة هي ثمرة التوبة وغايتها، والرتبة التي ينتهي إليها الراجع عن عصيانه، بالنظر الى أول أحواله، أما ما يكون له من الثواب الجزيل والعطاء الجليل فذلك أمر أسداه إليه محض الفضل، وسعة الرحمة بسبب امتثال قوله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ (النور: (3). عاملنا الله بفضله وأدخلنا في واسع رحمته إنه كريم رحيم. والله سبحانه وتعالى أعلم. (283) (والتوب مثل الذنب عن نبينا سراً وجهراً هكذا قد بينا) (284) (فالعُجب والكبر معاً والحسد كذا الريا توبتها أن تُفقد) (285) (وهكذا العزم على الكفران فالحق أنَّه من العصيان) يجب أن تكون التوبة في الإسرار والإعلان مثل المعصية، فإن كانت المعصية من الأعمال الباطنية فالتوبة منها سراً مجزية، فإن أعلن بها فذلك نفل، وإن كانت المعصية من الأفعال الظاهرة كشرب الخمر وأكل الميتة ونحو ذلك فلا تجزي التوبة عنها إلا جهراً لقوله: (إذا عملت سيئة فأحْدث عندها توبة، السِّرُّ بالسِّرِّ والعلانيةُ بالعَلانية» (39). فإذا عرفت هذا فاعلم أن العجب والكبر والحسد والرياء من المعاصي الباطنية، فالتوبة منها إزالتها بالكلية

(396) جاء من طريق معاذه رواه الطبراني في المعجم الكبير) [159/ 20 برقم 331] بلفظ: «وما عملت من سوء فأحدث الله فيه توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية». ورواه أبو نعيم في «حلية الأولياء» برقم [813] بلفظ: وأحدث مع كل ذنب توبة السر بالسر والعلانية بالعلانية». وجاء عند الطبراني في (الكبير)) [175/ 20) رقم 374] وابن أبي شيبة في مصنفه» (100/ 7 برقم 34314 الكتب العلمية بلفظ: وإذا عملت سيئة فاعمل بجنبها حسنة السر بالسر والعلانية بالعلانية وبعض طرقه المتقدمة حسنة كما في مجمع الزوائد للهيثمي (72/ 10) برقم 16753 دار الفكر). وكذا في صحيح الجامع الصغير» (238/ 1 برقم (1040) والله أعلم.

1285

بهجة الأنوار فنج

وصرفها بعلاجاتها الباطنية، ولا يلزم الإعلان بالتوبة منها، وهذا معنى قوله: (توبتها أن تُفقد). أي توبة هذه الأمور هو إعدامها من نفس المأمور. ورَفَعَ (تفقد) على لغة قوم يُهملون أن المصدرية ولا يُعْمِلُونها. ومثل هذه الأمور في صفة التوبة منها العزم على الفسوق، فإن العزم

من

(397)

على ذلك من المعاصي الباطنية، فيجزي في التوبة منها الرجوع عما عزم عليه والندم على ما كان منه، وهذا معنى قوله: (وهكذا العزم على الكفران. والمراد بالكفران هو ما عدا الشرك من المعاصي، أما العزم على الشرك فقد صرح الشهاب ابن حجر (3) أنه شرك. ووجهه أن العازم على الشرك لا يخلو من أحد أمور: إما أن يكون عزمه ذلك لأجل تصويب الشرك، أو لقدح في الإسلام، أو لتردد في التوحيد، أو لجهل بما يلزمه علمه من التوحيد، والكل هذه الأمور شرك، ويحتمل أنه أراد أن نفس العزم على الشرك شرك، مع قطع النظر عن هذه الأمور وهو ظاهر عبارته. والله أعلم. وأما قوله: (فالحق أنه من (العصيان أي فالقول الحق أنَّ العزم على الكفران معصية خلافاً لمن قال إنه ليس بمعصية. والله سبحانه وتعالى أعلم. (286) (ولم يُرد تائب من ذنبه حتى يرى الموت دنا من قربه) (287) (أو تطلع الشمس من المغرب قد أتى عن المختار فيما قد ورد) أي وعد ربنا تعالى بقبول التوبة، فلا يُرد تائب عن ذنبه من قبولها، إذا أتى بها في وقتها الذي تُقبل فيه، ووقتها الذي تقبل فيه هو العمر كله، إلا في

موضعين

أحدهما: وقت الغرغرة بالموت، ومشاهدة، أسبابه، فإن التائب في هذا الوقت لا تُقبل منه توبته، إذا كان قبل ذلك الوقت مُصِراً، لأن توبته حينئذ لا عن اختيار منه لها، وإنما كانت منه اضطراراً لما تيقن من حضور الموت

(397) هو الهيتمي بالمثناة الفوقية، مؤلف تحفة المحتاج في الفقه الشافعي، و «الصواعق المحرقة»، و «الفتاوى الحديثية توفي سنة 974 هـ، ويعتبر من طبقة تلاميذ تلاميذ ابن حجر العسقلاني

صاحب فتح الباري»، وقد يكون ابن حجر العسقلاني نفسه، فكلاهما يُلَقَّب بشهاب الدين.