بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ٤١بهجة الأنوار هيج
(110)
V
الأول أكثر علماً، وأصح نظراً وبالعكس، فاستوى الأمران فيما وجده، من أثر صحيح، أو نقله له عن الأوائل من الاختلاف صريح، أو أخبره الفقيه الحي، بوجود الاختلاف فيه، وسكت عن التعديل فيما يحكيه. وحكم ما عَدَّلَه بعض علماء السلف، وعَدَّلَ غَيْرَه الفقيه الحاضر من الخلف، حكم ما اختلف الفقهاء في تعديله، ويرجع الأمر فيه إلى جواز الأمرين، هذا كله إذا لم يكن لهذا الضعيف قدرة على معرفة الأعدل، وكانت المسألة مما وجد الاختلاف فيها، أما إذا شاء العمل بشيء لم يوجد في بيان حكمه شيء عن العلماء، فهاهنا يجب عليه مشاورة أهل العلم في ذلك، ولا يجوز له أن يعمل بهوى نفسه.
وذهب آخرون إلى أنه يجب على هذا الضعيف، إذا شاء العمل بما يختلف فيه، أن يشاور من قدر على مشورته من الفقهاء، وأن يستعين في طلب الأعدل من الأقوال، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ النساء: 83) لأن الاستنباط لا يكون إلا من الفقهاء العلماء به، وقد أُمر الضعفاء برد الأمر فيه إليهم، والأخذ فيه بقولهم، فهم الحجة فيه لهم وعليهم، ويدل على ذلك قوله تعالى: {فَسْتَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ فاتة أقول: وهذا المذهب أقوى دليلاً، وأقوم سبيلاً، من الذي قبله، لهذه الأدلة، ولما في مشورة العالم من إمكان الاطلاع على دليل القول، الذي يرشده عليه، ويأمره بالأخذ به، فيكون بذلك آخذاً بالدليل الذي سمعه، فيُنزل في وجوب المشاورة للعالم عند وجوده منزلة القادر على الاجتهاد.
[النحل: 43].
ولا يخفى أن حكم من كان مجتهداً، ولم يطلع على الأدلة في شيء من الأحكام، أن حكمه في ذلك حُكم الضعيف، لأنه في ذلك الحكم ضعيف أيضاً، بناء على القول بتجزئ الاجتهاد، وهو مذهب الإمام الكدمي، وفي
(115) في (ب): صحيح.
VV
بهجة الأنوار في
قول ثانٍ أنَّ الاجتهاد لا يتجزأ، فلا يكون مجتهداً حتى يكون عالماً بجميع الأدلة من الكتاب والسنة، والأول هو المختار)، والله أعلم. (42) (وخطأ العالم في الفتوى همل والوزر والضمان للذي عمل) الخطأ نوعان أحدهما: أن يكون صاحبه معتقداً إصابة الحق فيما أفتى به، ويظن أنه صواب، وهو مخالف للحق، فهذا غير معذور من الأثم، والضمان، كان عالماً أو جاهلاً، إذا حرّم ما أحل الله، أو أحل ما حرم الله، وقد حصل التحرز من هذا النوع بقول الناظم: (وخطأ العالم). لأن صاحب هذا النوع وإن كان عالماً في غيره، فهو جاهل به
وثانيهما: أن يكون المفتي عالماً بذلك الشيء، الذي أخطأ فيه، وبأصوله، فأخطأ بلسانه، وهو يعلم أن لو انتبه أنه مخطئ فيه، فهذا مختلف في تضمين صاحبه، والذي عليه الجمهور من الجهابذة أنه لاضمان عليه، وأما الإثم فلا نعلم أن أحداً قال به في هذا الموضع والذي وجدناه عن علمائنا، أنه لا إثم عليه، بدليل قوله: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان .. الحديث. وبإشارة قوله تعالى حكاية عن المؤمنين: رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا وما أحسن قول الصائغي (116) ورجحه أيضاً في طلعة الشمس» (404/ 2 بتحقيق عمر حسن القيام). وإليه ذهب أكثر الأصوليين كما في «البحر المحيط في أصول الفقه للزركشي (209/ 6) وزارة الأوقاف الكويتية ط 2 - 1992 م).
(118)
[البقرة: 286]
(117) يأتي تخريجه في التعليق على البيت رقم (304). (118) الشيخ سالم بن سعيد بن علي الصائغي عاش في القرن الثالث عشر الهجري، مهاباً في زمانه قائماً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من مصنفاته الأرجوزة التي قام بتنقيحها الشيخ السالمي وبنى عليها كتابه «جوهر النظام»، تبلغ ما يقارب عشرة الآف بيت يقول عنها السالمي في مقدمة «جوهر النظام»:
وبعد إن خير نظم بالغ في الفهم مبلغاً نظام الصائغي فإنه حوى بيان الشرع من واجب وجائز ومنع وانصب في سهولة الألفاظ وطاب حفظه لدى الحفاظ .. الخ وله أيضا «الإرشاد» مخطوط، تجد بعض فصوله مدرجة في قاموس الشريعة» للعلامة السعدي، وله کتاب «المضنون به على غير أهله مخطوط أيضاً في أصول الدين والفقه والآداب في ثلاثة مجلدات.