بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ٤٦

بهجة الأنوار فلم

الباب الرابع

في أقسام الجهل

وفيما يسع جهله وما لا يسع

وبه يتم الكلام على الركن الأول - إن شاء الله -.

(45) (والجهل قسمان بسيط سَلِمَا صاحبه والثاني فهو ما انتمى) (46) (إلى مُرَكَّب وليس يسلم صاحبه بفعله بل يأثم) ينقسم الجهل إلى بسيط، وإلى مُرَكَّب، (فالبسيط) هو عدم العلم بالشيء، مما من شأنه العلم، حتى لا يتصور في باله شيء مما جهل به، ولا يخطر بعقله شيء من صفاته، وصاحب هذا القسم معذور سالم، لأن الحجة لم تقم عليه بعلم ما جهله، ولا يكون التكليف إلا بعد قيام الحجة.

أما ما قيل من أن راكب المحجور في دين الله هالك، ولو لم يعلم بحجره. فذلك محمولٌ على مَن عَلِم أنَّ في دين الله حلالاً وحراماً، لكنه لم يعلم الحكم فيما ارتكبه بعينه، وهذا قد تقدم له تصورُ عِلم بوجودِ جملة المحرمات فهلاكه إنما كان بعد قيام الحجة عليه في الجملة، وجهله بما ارتكبه جهل مُرَكَّبٌ، لا بسيط.

وأما (الْمُرَكَّب) فهو اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه، وإنما سُمِّيَ هذا القسم مُرَكَّبًا لتركبه من -1 - عدم العلم بالشيء و 2 - اعتقاد أنه عالم. فصاحبه يظن أنه عالم بالشيء وهو جاهل به وإليه الإشارة بقول القائل: ومن عجب الأيام أنك جاهل وأنك لا تدري بأنك لا تدري وصاحب هذا القسم هالك - إن كان جهله بما يلزمه العلم به -. وإنما كان هالكاً لقيام الحجة عليه بذلك الشيء، واعتقاده فيه على خلاف حقيقته لا يكون عُذراً له، بعد وجوب علمه. فالمراد بقوله: (والثاني فهو ما انتمى إلى مُرَكَّب) أي القسم الثاني من قسمي الجهل، هو ما انتسب إلى مركب أي سُمِّي بذلك، وقوله: (بل يأثم) تأكيد لقوله: (وليس يسلم).

بهجة الأنوار هيج

ولما فَرَغَ من تقسيم الجهل، بالنظر إلى حقيقته، وحصوله في ذهن المكلف، شرع في بيان تقسيم الجهل المركب منه، بالنظر إلى حكم الشارع فيه

فقال:

(47) (وباعتباره لدى التكلف لواسع الجهل وضيق يفي الهاء من قوله: (وباعتباره). عائدة إلى القسم المركب، من قسمي الجهل لأنه أقرب مذكور، ولأن القسم الأول صاحبه معذور وسالم، فلا يتأتى فيه هذا الانقسام، والمعنى أن الجهل المركب ينقسم بالنظر إلى حكم الشارع فيه إلى

قسمين:

أحدهما: سالم صاحبه. والثاني: هالك.

فيسلم صاحبه إذا جهل بما لم يلزمه العلم به، ويهلك إذا جهل بما

يلزمه العلم به وسيأتي بيان ما يلزمه العلم به، وما لا يلزمه مفصلاً. ولك أن تقول: إن الهاء من قوله: (وباعتباره). عائدة إلى حقيقة الجهل، مع قطع النظر عن التقسيم المذكور، والمعنى ينقسم الجهل من حيث هو، إلى -- واسع الجهل، وهو الجهل البسيط، وبعض المركب.

وإلى 2 - ما لا

(139)

جهله وهو بعض المركب (3). يسع. وقول الناظم: (في التكلف). أي في التكليف، ففي إطلاق التكلف على التكليف، مجاز إرسالي، لعلاقة المسبية، لأن التكلُّفَ مُسَبَّب للتكليف. يقال: كَلَّفْتُهُ فتَكَلَّف ولما فرغ من بيان أقسام الجهل وأحكامه، شرع في بيان الأشياء التي يسع جهلها، والأشياء التي لا يسع جهلها فقال:

(139) المعتبر في تقسيم الجهل إلى واسع ومضيق هو الوقت فكل واجب، أو محرم، لم يحن وقته واسع جهله، فإن حان وقته أصبح جهله مضيقاً.