بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ٦٠

بهجة الأنوار فلم

يكلف العباد بغير حجة، وكان إلزام الجملة من جملة التكليفات، وجب أن لا تلزم إلا بعد قيام الحجة، إذ لم يقم دليل على تخصيص التكليف بها، بحكم يخالف التكليف بما عداها، فتساوى حكم الله في التكليف، فالجملة وغيرها في

بهجة الأنوار قلم

يُنَفِّسَنَّ لحظة ليسألا) (80) (وإن أتى برهانها امرءاً فلا

أي إذا قامت الحجة بتكليف الجملة على أحد ممن بلغ حد التكليف وَجَبَ عليه اعتقادها، وحَرُمَ عليه جهلها، وضاق عليه الشك فيها، ولم يُوسع

التكليف سواء، وتكليفه عزّ وجل إيَّانا بعد قيام الحجة فضل منه تعالى تفضَّل له في ترك اعتقادها لحظَةَ عَين، وإن قصد بذلك الترك السؤال عنها وعن

(183)

به علينا، ولو شاء أن يكلفنا بغير حجة ولا برهان كان ذلك عدلاً منه، كما كان التكليف بعد قيام الحجة فضلاً، خلافاً للمعتزلة في قولهم بوجوب الصَّلاحية والأصلحيَّة على الله تعالى.

(183) المعتزلة إحدى المذاهب الإسلامية، نشأت في نهاية القرن الأول ومطلع القرن الثاني للهجرة الشريفة، كان لهم ظهور بارز في العهد العباسي حيث تبنى معتقدهم بعض ملوكهم أشهرهم المأمون (ت 218 هـ) ونشط في عهده القول بأن القرآن مخلوق، واستمر في عهد المعتصم (ت 227 هـ) والواثق ت 232 هـ) حتى جاء المتوكل (ت 247 هـ) فغير المسار ومال للحنابلة وكان ملكه نكسة على المعتزلة. أما من الجهة العلمية فيقول عنهم الكوثري في مقدمته لكتاب تبيين كذب المفتري» لابن عساكر ص (18): (والمعتزلة على ضد الحشوية بخط مستقيم، أنتجها البحث العلمي، ساقهم شَرَهُ عقولهم إلى محاولة اكتناه كل شيء، وعداؤهم الأصلي نحو الجمود، وخطتهم دفع الآراء المتسربة من الخارج إلى الإسلام بحجج دامغة وأدلة عقلية مفحمة، ولهم مواقف شريفة في الدفاع عن الدين الإسلامي ازاء الدهريين ومنكري النبوة والثنوية والنصارى واليهود والصابئة وأصناف الملاحدة، وترى الذهبي يترحم على الجاحظ في النبلاء حين يذكر كتابه في النبوة، ولم نر ما يقارب كتاب «تثبيت دلائل النبوة للقاضي عبدالجبار في قوة الحجاج وحسن الصياغة في دفع شكوك المشككين، وليس بجيد الإعراض الكلي عن كتبهم وكم فيها من الفوائد التي لا تزال في أثوابها القشيبة، لم تبل بكرور الزمن عليها. وكم كان الأستاذ الإمام يجد فيها ما يدفع به خصوم العصر ولا يتحاشى عن الأخذ به من غير بخس لحقهم. ا. هـ

سير

وسبب تسميتهم كما يراه النديم في الفهرست» ص (282): (قال أبو بكر بن الإخشيد: إن الاعتزال لحق بالمعتزلة أيام الحسن على ما ذكره قوم ولم يصح عندنا ولا رويناه. قال: والمشهور عند علمائنا أن ذلك اسم حدث بعد الحسن قال والسبب فيه أن عمرو بن عبيد لما مات الحسن وجلس قتادة مجلسه، فاعتزله عمرو ونفرّ معه فسماهم قتادة المعتزلة واتصل ذلك بعمرو فأظهر تقبله والرضا به، وقال لأصحابه: إن الإعتزال وصف مدحه الله في كتابه؛ فهذا اتفاق حسن فاقبلوه) ا. هـ بينما يقول أبو الحسين الملطي الشافعي في كتابه التنبيه والرد ص (36): (وهم سموا أنفسهم معتزلة، وذلك عندما بايع الحسن بن علي عليه السلام معاوية، وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن ومعاوية، وجميع الناس وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي، ولزموا منازلهم ومساجدهم وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة

حقها.

بيانه أنه إذا قامت الحجة بأن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله وأن ما جاء به محمد من ربه حق وجب على من قامت عليه اعتقاد ذلك، فإن جهل أو شك، أو توقف في الاعتقاد حتى يسأل عن حق هذا الذي قامت به الحجة عليه كان بذلك كله كافراً، وإن مات قبل التصديق واعتقاد حق الجملة مات هالكاً والعياذ بالله.

ا

فسموا بذلك معتزلة) ا. هـ يقول الكوثري في مقدمته لكتاب التنبيه والرد للملطي ص (ج، د): (ويظهر من ذلك أن هذا لقب اختاروه لأنفسهم فسايرهم الناس في هذا التلقيب مع أن المشهور في سبب تلقيبهم كونهم يقولون بالمنزلة بين المنزلتين، أو اعتزالهم مجلس الحسن البصري وما في هذا الكتاب في سبب التلقيب أقرب وأقعد في المعنى مع كونه من أقدم الروايات على بعد المؤلف من التحيز لهم … وقال (في الحاشية) وكون القول بالمنزلة بين المنزلتين سبب التلقيب غير واضح كما أن صلة واصل زعيم المعتزلة بأبي هاشم عبدالله بن محمد ابن الحنفية وانتماءهم إليه قبل صلتهم بالحسن البصري، وهذا يخدش أن يكون الثاني سبب للتلقيب على أن المطرود من المجلس لا يصح عده معتزلاً والله أعلم) ا. هـ أما القاضي عبد الجبار (ت 415 هـ) وهو من متأخري المعتزلة فيحكي في كتابه «شرح الأصول الخمسة الخلاف الحاصل في مسألة مرتكب الكبيرة وأن الحسن اختار أنه منافق وذكر أن عمر بن عبيد ذهب إلى مثله وأنه كان من أصحاب الحسن ثم قال في ص (138): (وقد جرت بين واصل وبين عمرو بن عبيد مناظرة في هذا فرجع عمرو بن عبيد إلى مذهبه وترك حلقة الحسن واعتزل جانباً فسموه معتزلياً. وهذا أصل تلقيب أهل العدل بالمعتزلة) ا. هـ. فتراه يعزو إلى عمرو ترك حلقة الحسن لا واصل والله أعلم بحقيقة التسمية. والمعتزلة اشتهروا بمبدأ من التزمه عَدُّوه منهم ومن أقصوه عنهم وهو القول بالأصول الخمسة وهي: -1 - التوحيد -2 - العدل. 3 - الوعد والوعيد. 4 - المنزلة بين المنزلتين -5 الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم هم في الجملة يتفقون مع أهل الحق والاستقامة في إنكار رؤية الله في الآخرة والقول بخلق القرآن وأن مرتكب الكبيرة مخلد في النار إذا لم يتب، وخالفوا أهل الحق والاستقامة في القول بوجوب الصلاح والأصلح، والتحسين والتقبيح العقليين، وانفردوا كذلك بالقول بالقَدَر وأنَّ العبد خالق لأفعاله.

خالفه