بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ٦١بهجة الأنوار فج
116
بهجة الأنوار فج
التالي فإن قيل: ما بال الجملة من بين سائر العبادات لا يُنَفَّس في السؤال عنها، وما عداها يُنفّس في السؤال عنه، وقد قلتم إن الجملة كغيرها في
التكليف؟.
قلنا: إنَّ الجملة كغيرها في قيام الحجة بها للتكليف بها، ولم نقل بأن جميع أحكامها كغيرها، وإنما حَصَّت بالتضييق عن السؤال عنها بعد قيام الحجة لأن اعتقادها مطلوب في الحال، وكان العذر واسعا قبل الحجة وقد قامت الحجة فلا عذر في التأخير.
أما ما عداها
من
العبادات العمليات والتركيات فربما يسع تأخيرها، وربما يَسْلَم صاحبها باعتقاد السؤال عنها والدَّيْنُونَة بالحق فيها لأدلة خاصة بها نحو ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (ال عمران: 130). وأما تفسيرها الاعتقادي فبعض ضَيَّقَ في السؤال عنه، كما ضيق فيها ورأى أن حكمه كحُكمِها، وبعضُ وَسَّع في السؤال عنه، وعنده أنه داخل تحت هذه الجملة فما لم يَرُدَّ شيء منه فهو واسع له ترك اعتقاده بعينه، حتى يرسخ في ذهنه علم ذلك وحقه.
(81) (ومنكر الجملة بعدما نظر برهانها كفر جحود قد كفر) أي ومن جحد الجملة بعد أن قامت عليه حجتها، أو قبل ذلك فهو كافر كفر جحود، ولا ينفعه عذر في ذلك. أما من جهلها بعد قيام الحجة بها أو شَكَ فيها فهو كافر أيضاً، لكن كفره يسمى شرك مُسَاوَاة، وذلك لأنه قد جعل ما وجب عليه اعتقاده ولزمه علمه بمنزلة الذي لم يجب عليه فيه شيء ذلك، فكأنه سَاوَى بين الحكمين مع اختلاف الأمرين. والحكم في شرك الجحود وشرك المساواة متحد دنيا وأخرى، والفرق بينهما إنما هو في نفس التسمية خاصةً، وسيأتي بيان حكمها في الباب السادس من الركن الثالث إن شاء الله
من
(82) (ولم يَسَعَ جهلُ ضَلالِه ولا تشك فيه والذي له ثلا) (83) (كذاك جهلُ من يَشك فيه على قياس شائع تلفيه) هذا بيان لحكم الواقف على إنكار منكر الجملة، فحكمه أنه يجب عليه أن يعلم كفر منكر الجملة، ولا يسعه الجهل بكفره، ولا الشك في كفره، وكذلك لا يسع جهل ضلال من صوّبه على كفره، ولا الشك فيه، وهو معنى قول المصنف: (والذي له تلا) أي تبع. وكذلك لايسع جهل ضلال من شك في كفره، فإن حُكمَ الشّاكِ في كفره بعد علمه بكفره حكم من صوّبه على كفره لأنه لا يسع جهل ضلالة كل واحد منهما.
وهذا القياس أعني قياس الشاك في كفر منكر الجملة على مصوبه في عدم التوسعة في جهل ضلالة كل واحد منهما قياس ظاهر جلي، ومثل منكر الجملة في هذا الحكم الجاهل بالجملة بعد قيام الحجة بها والشاك فيها، فإن كل واحد من هذين لا يسع جهل ضلاله ولا ضلال من صوّبه على ضلاله، ولا ضلال من شك في ضلاله ولا يسع الشك في ضلال كل واحد من هؤلاء. واعلم أن مصوب المحدث في الجمله مشرك مثله، وأما الجاهل لضلاله والشاك في ضلاله مع اعتقاده حق الجملة فهو فاسق منافق، وقول المصنف: (ولا تشك). بصيغة النهي على جهة التحريم. وقوله: (والذى له معطوف علي الضمير المجرور على حد قوله تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ: () بقراءة جر الأرحام.
وقوله: (على قياس شائع) أي ظاهر. ومعنى (تلفيه) تجده
(84) (والخلف في إيمانها بالقلب هل يجزيه دون نطقه إذا نزل (85) (تكليفه بها فبعض ذهبا للإجتزا والبعض منهم قد أبى) اختلف العلماء في كيفية الإيمان بالجملة، فذهب بعضهم إلى أن كيفية الإيمان بها أن يعتقد صدقها في جَنَانِه، ويُظهر ذلك إقراراً بلسانه، وأنه لا يكون مؤمناً إلا بذلك، فالتلفظ بالشهادتين عند هؤلاء شرط لوجود الإيمان.