بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ٦٢بهجة الأنوار فج
وذهب آخرون إلى أن الإيمان بها هو التصديق بها في القلب، فإذا اعتقد حقها بقلبه وصدقها بجنانه كان ذلك مُجْزِيَاً له فيما بينه وبين ربه، فإن مات على ذلك فهو من جملة المؤمنين، وأما فيما بينه وبين الناس فإنه لا يكون معهم مؤمناً حتى يتلفظ بالشهادتين ويلزمه التلفظ بها إذا طُولب بذلك، هذا إذا كان منكراً للجملة فيما تقدم من أمْرِه، أو شاكاً فيها، أو جاهلاً بها، بعد قيام الحجة عليه فيها، أما إذا لم يتقدم منه شيءٌ من هذا كله ولم يكن من أهل دارٍ يُحكم على أهلها بالشرك فلا يلزمه التلفظ بالشهادتين وإن طولب، ولا يسع لأحد أن يحكم عليه بالشرك في عدم تلفظه بذلك، ولا يسعه أن يبرأ منه لذلك، نعم يندب له أن يتلفظ مهما طولب بذلك إذا لم يكن له مانع من التلفظ والله تعالى
أعلم.
(86) (والخلف هل عليه أن يُقررا تصديقه إن ذكرُها قَد خَطرا) (87) (أو يجتزي بالماضي مالم يُحدث شيئا بها كعهدها لم ينكث) اختلف القائلون باشتراط التلفظ للإيمان [بالجملة]، فذهب بعضهم إلى أن التلفظ بها والتصديق بها مجزئ مرةً واحدة في عمره، ولا يلزمه تكرار ذلك، ما لم يأت بحدث ينقض به إيمانه فيكون به مرتداً إلى الشرك بعد الإسلام، وذهب آخرون إلى أنه يجب تكرار الإيمان بها إذا جرى ذكر ذلك، وعند هؤلاء يجب على من كان موحداً أن يتلفظ بالشهادتين إذا طولب بذلك، لكن يخرج على قواعدهم أنه إذا لم يُجبهم إلى التلفظ بالشهادتين لا يسعهم يحكموا عليه بالشرك ولا أن يبرأوا منه لذلك.
أن
ووجه ذلك أن هذه المسألة اجتهادية فلما أبى من التلفظ، ولم يتقدم منه حالة يُشرك بها احتمل له أن يكون مذهبه عدم وجوب تكرار التلفظ، أو أنه مقلد لمن لم ير وجوب ذلك، ومع تمسكه بقول من أقول المسلمين لا يحل لأحد أن يحكم عليه بالخروج من الدين.
نال کار
بهجة الأنوار ها
هذا والصحيح عندي عدم وجوب تكرار التلفظ بها وإن جرى ذكرها معه، إذا لم يخرج عن الإسلام بِحَدَثِ فيها، لأن الصحابة رضوان الله عليهم لم يُنقل عنهم مع كثرة ذكرهم للجملة تكرار التلفظ بها كلما سمعوها، وإنما المنقول عنهم وعن النبي يا الله أنه إذا أسلم العبد و تلفظ بالشهادتين مرةً واحدةً
أدخلوه في حكم المسلمين، ولم يطالبوه بعد ذلك بشيء، والله تعالى أعلم. (88) (وما عدا الجملة من تفسيرها كحكم ما رأيت من تعبيرها (89) (إلا) لدى السؤال والجهل بما أحدث والشائع ما تقدما (90) (وما عدا الإيمان فاللازم في تفسيرها بالقلب في التكلف) أي ما عدا الجملة من تفسيرها الاعتقادي المشتملة عليه والمندرج تحتها، كمعرفة كمالات الله عزوجل، ومعرفة الأنبياء والرسل والملائكة والكتب المنزلة، والموت والبعث والحساب وأن حساب الله لا يشبهه حساب، ومعرفة الجنَّة والنار فحكمه حكم الجملة في جميع ما تقدم، ويخالفها في ثلاثة مواضع مستثناة من تلك القاعدة: أحدها في السؤال، فإن الجملة لا يلزم لها اعتقاد سؤال قبل قيام الحجة، ولا يوسع له في السؤال بعد قيام الحجة بخلاف تفسيرها، وقد تقدم في هذا ما فيه كفاية إن شاء الله.
*
وثانيها: أنَّ الحدث في الجملة لا يسع جهل ضلالة مُحدثه، ولا الشك فيه كما تقدم، والحدث في تفسيرها قد قيل بأنه يسع جهل ضلالة مُحدِثِه، ولو عَلِمَ حَدَثَه ما لم تبن له ضلالته، إلا أن الأكثر فيه ما قيل في الجملة وهو المراد بقول الناظم: (والشائع ما تقدما). وثالثها: أن الإيمان في الجملة مختلف فيه هل يجزي بالقلب دون النطق باللسان أو لا كما تقدم؟. ولم نعلم اختلافاً في الإيمان بتفسيرها بل اللازم فيه بالقلب فقط. وانتصبت (الجملة) في قول الناظم على الاستثناء. ولما كان التكليف بالجملة متوقفاً على قيام الحجة أخذ في بيان كيفية قيام الحجة هنا فقال:
(184) من (ب).