بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ٦٤بهجة الأنوار قلم
النازعات: 40 و 41].
123
بهجة الأنوار فج
وقوله: (فلتقتبس) أي فلتتخذ لك قبساً من نور هذا التوحيد فإنه نور لوجب تَقَدُّم المكان والزمان عليه، لضرورة العقل بذلك فيستلزم خالقاً غيره، في ظلمات الجهل. وقوله: (وعن هوى النفس احتبس) أي امتنع عما تميل إليه وثبوت خالق غيره باطل لما يلزم عليه من الأمور المستحيلة. نفسك من الباطل وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ وأيضاً فلو كان تعالى حالاً في مكان لكان المكان حاوياً له فيلزم عليه الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى تحديده وتناهيه، ومن كان متحدداً متناهياً فليس بإله. ولو كان تعالى حادثاً في ولما كان الإقرار بالربوبية مستلزماً لثبوت العبادة الله تعالى دون غيره زمان لوجب أن يكون له مُحدث غيره، ومن كان مُحدَثاً فليس بإله. أخذ المصنف في بيان كيفية توجيهه العبادة لربه، فقال: وفي قوله: (وأنه في ملكه منفرد إشارة إلى ثبوت الوحدانية له تعالى في (93) (نعبده جل امتثال أمره سبحانه ونهيه وزجره مطلق التصرف، وهي وحدة الأفعال. فال (94) (فإن يشأ يرحمنا بفضله وإن يشأ عذبنا بعدله ولما نفى عنه - تعالى - صفتي الحلول والحدوث، أخذ في نفي (95) (فالملك والعزة والسلطان له كذا القدرة والبرهان
أي نوجه عبادتنا إليه عَظُمَ شأنه، لأجل امتثال أمره الذي أمرنا به في الأشياء العملية، ولأجل امتثال نهيه في الأشياء التي نهانا عن فعلها، فالفعل والترك منا إنما هما لأجل الأمر والنهي، فهما عبادة منا له تعالى، ومع ذلك فنحن مفوّضون الأمر إليه، ومُسَلِّمُون لحكمه، وراضون بقضائه ومتوكلون
عليه.
فإن شاء أن يرحمنا فذلك بمحض فضله علينا، وإن شاء أن يعذبنا فذلك بعدله فينا، فإن الملك والغلبة والحجة والقدرة له تعالى، فلا يعترض عليه في شيء من ملكه، ولا يستطيع أحد لرد ما أراده وهو قادر على كل شيء، ومن كان مالكاً للأشياء قادراً على فعل ما يريد فيها غير محكوم عليه ولا مُعْتَرَض عليه في شيء من أفعاله، فجميع ما فَعَلَهُ في مُلكه إمَّا عدل وإما فضل. ثم إن المصنف أخذ في بيان التنزيه فقال:
(96) (سبحانه ليس له مكان يحويه جل لا ولا (زمان) (97) (بخلقه لكل شيء نشهد وأنَّه في ملكه منفرد) أي تنزيهاً له تعالى عن الحلول في الأمكنة، وعن الحدوث في الأزمنة، فإن المكان والزمان خلق من خلقه، ومن ضرورة العقل وجوب تقدم الخالق على المخلوق في الوجود، فلو كان تعالى حالاً في مكان، أو حادثاً في زمان
الصفات التي تلازمهما فقال: (98) (ليس له شبة ولا نظير ولا وزير لا ولا مشير) (الشبه) بالكسر هو المشارك لغيره، ولو في صفة واحدة من صفاته. و (النظير) هو المثل المساوي. و (الوزير) هو المعين في الأمر العظيم بأراءه الصائبة وأفكاره الثاقبة. و (المشير) هو الدال على فعل شيء أو على تركه بدلالة خفية، والمراد بها هنا مطلق الدلالة.
والمعنى أنه تعالى ليس له مشابه في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا مماثل له في ذلك، ولا مُعين له على شيء من أفعاله التي فعلها أو سيفعلها، وأنه تعالى فعّال لما يريد، لا لما يريد غيره، فلا مشير له في شيء من أفعاله ولا في شيء من الأشياء التي لم يُرد فعلها تعالى الله عن ذلك. وعن ابن مسعود أنه قال: ما عَرَف الله من شبهه بخلقه). نافع (187)
(186)
أن عبدالله بن عمر كان جالساً في أناس فأتى رجل فقال: أيكم عبد الله بن
عمر
(186) أورده الإمام الربيع مُعَلَّقَاً في زيادات المسند برقم [850]. (187) أبو عبدالله نافع الفقيه العدوي القرشي المدني مولى ابن عمر من كبار التابعين في وقته. أصابه ابن في بعض مغازيه صغيراً ونشأ في المدينة، روى عن مولاه وعائشة وأبي هريرة ورافع بن حديج وأبي سعيد الخدري وأم سلمة وغيرهم ولاه عمر بن عبد العزيز صدقات اليمن كما بعثه أيضاً إلى مصر ليعلم أهلها السنن وهو من ثقات الرواة. توفي سنة 117 هـ. (انظر: تذكرة الحفاظ 99/ 1 563/ 5، وتهذيب التهذيب لابن حجر 210/ 4 مؤسسة الرسالة). النبلاء للذهبي وسير