بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ٧٣بهجة الأنوار فلم
140
بهجة الأنوار قلم
ومن لوازمها أيضاً أن تكون الجهة التي فيها المرئي مُقابلةٌ للرَّائي لأن الناظر لا يرى إلا ما يُقابله، وذلك في حقه تعالى محال، فاستحالت الرؤية في حقه تعالى لاستحالة لوازمها وشرائطها (212)، فهذه البراهين العقلية
باله
الجهمية المغل تنكر علوه على خلقه ورؤية المؤمنين له في الآخرة، ومخانيثهم يقرون بالرؤية وينكرون العلو، وقد ضحك جمهور العقلاء من القائلين بأن الرؤية تحصل من غير مواجهة المرئي ومباينته، وهذا رد لما هو مركوز في الفطر والعقول. ا. هـ على أن ابن القيم وشيخه ابن تيمية يثبتان الرؤية مع لوازمها من وقوع المرئي في جهة ومكان ومقابلة … الخ وهذا بلا مرية فرع من اعتقاد الجسمية لله تعالى عندهما، ولا تأبه بما يبثه بعض المفتونين بهما من أنهما ليسا بمُجَسّمين إذ لو كان ذلك كذلك لسقطت أكثر تشغيباتهما في مسائل الصفات والرؤية وخلق القرآن وإثبات المجاز، والله المستعان (212) أما اعتراضهم بأن هذه الشرائط ليست لازمة لكون القيامة محل خرق العادات، فلا يتم وفي هذا الخصوص يقول العلامة المنذري لهلهلهلهلهلهله في كتابه جواب السائل الحيران ص (72): فنعم دون تحول صفاتِ ذاته تعالى عما هي فلا يُسمى ذلك خرقاً بل نقصاً، وتخليفاً لما وعد وأوعد، إذ أكدها على نفسه مطلقاً، وفهمت منها أزليته معها أبداً في عالم الأدنى والعقبى، كما أنه لم يزل فيهما حكيماً عزيزاً قادراً سميعاً بصيراً عادلاً، ونحوها، فكذا تعزّزه عن إدراك البصر، وتنزهه عن الظلم والنقائص، كما أتى بها نص الكتاب بمحكم آيه إلا أن تأتينا بمحكم ينقضه فنعم، ولا تأتون به إلا
بسلطان) ا. هـ
وقال ص (99) أيضا: (لكنه يستلزم الإعطاء فيما لا يتقدم فيه البرهان من علم الغيب، إذ
لا بد من تعينه ببرهان … فيلزم من خرق العادة إبطال الحكمة وتغيير الكتاب والسنة، ولزوم ما لم يتعين لزومه ببرهان المحجة، وذلك من التعاطي بالمغيبات، وليس من شأننا إلا ببرهان فأقمه لنا على ما عينته نتبع، إذ وعدنا الله أن نتبع برهان الكتاب والسنة، والحكم بما ظهر منهما لا بما غاب، وما عليه السفسطة، وما ذلك إلا إلزام ما لا يلزم قَلْبَاً للحُجَّة ما لم يكن له بالحق مناط) .. هـ
ودعواهم كذلك إن الرؤية التي يلزم لها هذه الشروط إنما هي في الشاهد أما في الغائب فلا دعوى باطلة أيضاً لأن الله تعالى تعبدنا بما نفهم ولا نعقل من الرؤية إلا ما كان بهذه الطرق، ومن قال بغير ذلك يلزمه الدليل، وقولهم: بلا) (كيف لا طائل ورائها حسبك أن هذه العبارة لم يأت بها نص بل هي من كيس القائلين بالرؤية والإنسان لا يؤمن بشيء يصادم المعقول فيما جاءت فيه الأدلة متضاربة نعم فيما كانت الأدلة القطعية غير قابلة للتأويل ولا تضارب بينها في مسائل لا يدرك العقل كنهها فهناك يصح أن يقال هذا، أما أن يزج بها في كل شيء وفيما كان الدليل له صوارف تصرفه فلا يصح إثبات أمر بها، ولو جاز الأخذ مطلقاً لقال
بها
من
شاء ما شاء.
ولو عممت هذه القاعدة لقيل بأن الناس يرون علمه تعالى وقدرته وإرادته وحياته وسائر صفاته العلية، وكل ذلك موجود وكل موجود يصح أن يرى - على قاعدتهم - وأنها ترى بلا كيف … الخ وهذا ظاهر الفساد. أضف إلى أن قولهم كل موجود يصح أن يرى واضح البطلان لأن بعض الموجودات لا ترى كالكهرباء والروح التي بين جنبي الإنسان وإنما تعرف بآثارها، فمقدمة القياس الكبرى خطأ، علاوة على أن الموجودات إما خالق أو مخلوق وقياس الخالق على المخلوق ظاهر الفساد، فقياس الغائب (الخالق) على الشاهد (المخلوق) مردود عند أهل العلم باختلاف مذاهبهم.
ثم تعلقوا بأشياء منها أنهم قالوا إن الله يخلق للإنسان حاسة سادسة!! يُرى بها ذكر ذلك أيضاً ابن تيمية الحراني في الاستقامة) (96/ 2) بتحقيق رشاد سالم، ط 2، 1991 م]، ويجاب عليهم بأنه لو سُلّم فلما لم يوجدها الله لموسى المعجزة له مع مقامه الرفيع؟!. فإن قيل إن ذلك من ربه أحوال يوم القيامة فالجواب أن خرق العوائد بيد الله لا تحده الأزمنة ولذلك لما سئل إبراهيم. أن يريه كيف يحي الموتى لم يرد عليه بالنفي لأنه من أعمال يوم القيامة، بل كان الجواب كما علم، ومن الحادثتين تتبين أن طلب الرؤية لا يجوز بحال، وسؤال إبراهيم جائز لتحققه، وكلاهما من خرق أعمال القيامة والتفريق بين إمكان الخرق فيهما تَحَكُم.
العوائد ومن
يوم
وفي كتاب جواب السائل الحيران ص (100) للعلامة المنذري ما مفاده أن توقعهم قلب آلة الإدراك، كي تقدر على الرؤية ليس بشيء، لأن الآلة بعد قلبها تبقى آلة حاسة فتقتضي محسوساً لها، وهو نفس الرجوع إلى ما سبق فتبقى شروط المقابلة والجهة. أما استدلال بعضهم بأنه لا يليق بموسى أن يسأل أمراً لا يجوزا و لا يتناسب مع مقامه وعلمه، وهل المعتزلة ومن وافقهم أعرف من موسى بربهم؟! فهو استدلال واه، لأن القائلين بامتناع الرؤية قالوا إن موسى لم يسأل الرؤية لنفسه، بل سألها لقومه الذين ألحوا عليه بذلك حتى صرحوا بأنهم لن يؤمنوا له حتى يريهم ربهم وقد جاء ذلك صريحاً بيناً في كتاب الله في أمثال قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَمُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ) [البقرة: 55] وقوله: فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾ [النساء: 153] واعتراضهم بأنه لو سألها لهم لقال: رب أرهم ينظرون إليك. فالجواب أن نفيها عنه يدل بطريق الأولى أنهم كذلك، فهو أبلغ وأقطع لطلبتهم، ومفادها أن امتناعها عن نبي مرسل مكرم يلزم امتناعها عنكم أيضاً، ولهذا أخذتهم الصاعقة!! ولم تأخذه معهم كما في الآية المتقدمة، مع أن الطلب من موسى! عليه السلام مما يدلك أنه سألها لقومه، وإلا كانوا مشتركين في ما يوجب الصعق!!). ثم قول القائلين بثبوت الرؤية استدلالاً بسؤال موسى عليه السلام وقولهم إنه جهل وقتها!!. كلام فج. قال العلامة المنذري الله في جواب السائل ص (52): (وكفاك قولهم جهل وقتها، ومن جاز عليه الجهل في البعض جاز في سائره. ا. هـ فدل على أن الأولى في حق النبوة أن يقال أنه سألها