بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ٧٤بهجة الأنوار قلم
143
بهجة الأنوار فلج
وأما ما أتى به السور من البراهين النقلية فأشياء منها قوله تعالى: {لا كان مدحاً له تعالى فلا يصح زواله عنه، واتصافه بضده، لأن ما كان سبباً تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَرَ .. الآية (الامام: 103)، فنفى عز وجل إدراك للمدح فهو كمال وضده نقص، ولا يصح أن يزول شيئ من الكمالات الإلهية، الأبصار لذاته (3) وامتدح بذلك، فنفي الإدراك مدح له تعالى لهذه الآية، وما
(213)
لقومه لا لنفسه. وهم يشنعون على المعتزلة في هذا الباب ثم يقعون فيما شنعوا به إذا قالوا بجهله! بوقتها!!.
وما أجمل ما قاله أبو مسلم في هذا السياق:
فإذا نصبت سؤال موسى حُجةٌ ونبذت أحكام العقول مُزيفه قل لي أموسى كان يجهل منعها؟ من قبل صاعقة النكير المرجفه فتسومه النقصان في توحيده وتكون أكمل في الحجى والمعرفه أم كان يعلم منعها، فأرادها عذواً، فتنسب للرسالة عجرفه أم كان يعلم منعها بحياته الـ دنيا فأعجل ربه ليشرفه وعلى الثلاثة فالنقيصة عنده بسؤالها أو لا فليسك منصفه بل كان يعلم منعها دنيا وأخ رى والسؤال جرى لأجل ذوي الشفه كفروا به أو ينظروه جهرة فنهاهم فعتوا عتوا خوفه فأراد من حرص على إيمانهم إقناعهم بالزجر عن تلك الصفه أتراه يسألها الكليم لنف طمعاً بها، ولها اليهود معنفه والله ما جهل المقام ولا نسـ عز الجلال ولا تخطى موقفه لكن لكبح عنادهم وعتوهم عرض السؤال وقلبه في المعرفه أو لم يصرح أنهم سفهاء مف تونون عند التوب مما أسلفه ومتابه من جريها بلسانه من دون إذن أو لصعق خوفه للتوسع في مسألة نفي الرؤية انظر: جواب السائل الحيران للعلامة المنذري (16 - 118) والحق الدامغ للشيخ أحمد الخليلي (24 - 95 مكتبة مسقط) و «معالم الدين» للعلامة الثميني (29/ 2 - 48 التراث العمانية ومشارق أنوار العقول للسالمي (362/ 1 - 395 دار الجيل - بيروت)]. (213) وتفسيرهم لالإدراك بالإحاطة لا يصح البتة، يدلك على ذلك قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا أَدَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا [الأعراف: 38] أي تلاحقوا (انظر تفسير ابن عطية وابن عاشور للآية). ولا يعقل أحاط بعضهم ببعض أو تحاوطوا ومشتقاته، بل أهل اللغة متفقون على تفسير الإدراك باللحاق وما يندرج تحته ولم يقل أحد بأنه يفيد الإحاطة بالشيء انظر لسان العرب لابن منظور مادة: دَرَكَ)، ومعلوم أن الفرد إذا قال: أدركت حياة فلان لا أنه أحاط بها من أولها إلى آخرها بل يمكن أنه لقيه سنة أو حتى شهراً. وإذا قيل أدرك السهم الصيد لا يعني أنه أحاط به.
يعني
قال صاحب مختار الصحاح ص (203) دار ابن كثير، بيروت: درك: الإدراك اللحوق. قلت: صوابه اللحاق يقال مشى حتى أدركه وعاش حتى أدرك، زمانه وأدركه ببصره أي رآه!! .. وتدارك القوم تلاحقوا أي لحق آخرهم أولهم .. الخ).هـ.
ولا أن يتصف الإله بشئ من أضدادها النقصانية، فلو جاز أن يزول ما كان سبباً لمدحه تعالى للزم عليه جواز تبديل عِزّهِ تعالى بالذل، وحمده تعالى بالشتم وهذا محال في حق صفاته تعالى، فكذا الاتصاف بالرؤية في وقت من الأوقات، أو من شخص من الأشخاص محال قطعاً، لما يلزم عليه من تبديل موجب المدح، وجواز الاتصاف بموجب الذم فصح استدلالنا بالآية، وسقط اعتراضات الخصم علينا بمحتملات وهمية توهموا أنها التحقيق في معنى الآية، حتى افتخر بعض متأخريهم بذلك فرحاً بما لديه فقال: لا تدرك الأبصار أكبر حجة لمقالهم معنى لها ما ألطفه يدريه من خَبَرَ العُلوم ورَاضَها كابن الخطيب إمام أهل المعرفة
(214)
وأراد بابن الخطيب الفخر الرازي (1)، ومنها قوله تعالى لكليمه: لَن تَرَني .. الآية) (31) لا مراف: 183) حين قال له: رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ فلو
و (215)
(214) أبو عبدالله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين الطبري الأصل والرازي نسبة إلى مدينة الري التي ولد بها عام 544 هـ، اشتهر بلقب ابن خطيب الري وأحيانا تختصر إلى (ابن الخطيب)، من تصانيفه: «التفسير الكبير أو مفاتيح الغيب و المحصول في أصول الفقه» و «أساس التقديس» وغيرها توفي سنة 606 هـ بمدينة هراة (انظر:) ميزان الاعتدال للذهبي،340/ 3، وطبقات الشافعية الكبرى لابن
السبكي 81/ 8، و لسان الميزان لابن حجر 426/ 4، والأعلام للزركلي (313/ 6). (215) لن تفيد التأبيد على الصحيح فهي مركبة من (لا) النافية و (إن) المؤكدة، ومن أوضح أدلة إفادتها للتأبيد قوله تعالى: {لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا) [الحج: 73] وقوله تعالى: {فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ) [القصص: 17] وقوله تعالى: ﴿فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾ [البقرة: 80] ففي الآيات المذكورة لا يصح حمل النفي بلن إلا على التأبيد إذ الانقطاع فيها فاسد. وسلب التأبيد منها خلاف الأصل لدلالة خارجية كما في قوله تعالى: {وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا) [البقرة: 95] وفي هذا يقول العلامة المنذري في «جواب السائل الحيران» ص (57): (قال في الدرر: قلنا عدم استفادة التأبيد في الآية من خارج، ونحن لا ننكر تَخَلَّفَهُ لدليل، بل تأكيدها هو الظاهر أتى به الذوق والإستعمال. ا. هـ وذكر أبو حيان في تفسيره «البحر المحيط» (499/ 1 دار الفكر بيروت عند تعرضه لآية البقرة [95] ما نصه: (ولذلك كان حرف النفي هنا لن الذي قد ادعي فيه أنه يقتضي النفي على التأبيد، فيكون قوله: أبدا. على زعم من ادعى ذلك للتوكيد. وأما من ادعى أنه بمعنى لا، فيكون أبدا إذ ذاك مفيدًا لاستغراق الأزمان. ويعني بالأبد هنا: