بهجة الأنوار
الجزء ١ · صفحة ٧٧بهجة الأنوار فلج
العقلي والنقلي، ولأن الآيات لا يمكن حمل معناها على العين التي هي بمعنى الباصرة، فإنه لا يشك عاقل في أنه ليس المراد أن موسى عليه السلام مصنوع مَبْسُوطَتَانِ على العين الباصرة أي فوقها!!، ولا أن السفينة تجري بالأعين الباصرة أيضاً،
[المائدة: 64]
بهجة الأنوار قلم
ذلك، وقد تأتي اليد بمعنى النعمة (220) كما في قوله تعالى: {بَلْ يَدَاهُ أي نعمتاه الظاهرة والباطنة، والعرب تطلق اليد على القدرة وعلى النعمة كما لا يخفى على من تتبع لغة العرب، لكن هؤلاء المشبهة فلا بد لهؤلاء المشبهة من تأويل الآيتين قطعاً، وقد فروا عن التأويل فوقعوا فيما لا يفهمون العربية (2) لأن غالبهم أصله (222) أعاجم فبهرتهم أنوار التنزيل، فوقعوا في مهاوي الضلال والعياذ بالله.
فروا منه وزادوا على ذلك تشبيه ربهم تعالى. (129) (واليد منه قدرة، أو قل نعم وقبضة والاستواء ملكاً يُسم) أي ومعنى اليد في قوله تعالى: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ الفتح: 10 القدرة أي قدرة الله فوق قدرتهم لا كما زعمت المشبهة بأنها جارحة، تعالى الله عن
بالعه راه
ذلك في
ومن أنفس ما كتب في هذه المسألة ما سطره تقي الدين السبكي الشافعي في كتابه القيم السيف الصقيل» ص (116) وما بعدها، ط. المكتبة الأزهرية للتراث - القاهرة، 2013 م) حين يقول رداً على ابن القيم: (نقولُ لهُ أنتَ أبديت لنا اعتقادك، ووصفت بأمور، يُمتحن فيها كل عاقل مُنصف إذا عُرضت على خالٍ من الأغراض كلها من امرأة أو صبي أو أعجمي أو عربي عامي وعموم الناس، هل يفهمون من الاستواء والقعود والنزول، والمجيء، والإتيان، والوجه واليد، والساق، والقدم والجنب، والعين، والانتقال في الدرجات وغير ذلك مما قد ذكرته معنى الجسم؟! ويرسم. نفسه، أو لا؟! فإن قال: إنه لا يفهم منها إلا معنى الجسم فيكفيك إثماً عند الله إضلال مثل هؤلاء، وحملهم على اعتقاد التجسيم، الذي تزعم أنت بلسانك أنك لا تقول به، فالمُحَقَّقُ منك إضلال أكثر العالم، وأما أنت في نفسك فإن كذبتَ في إنكارك التجسيم، فقد جمعت إلى فساد الاعتقاد الكذب، وإن صدقت في زعمك فقد لبَّسَتْ عليك نفسك، وخيّلتْ لك فرقاً، أو كان عندك فرق فالله أعلم به هذا في الباطن الذي أمره إلى الله في الآخرة، وأما في الدنيا فإن في قبول قولك عندنا نظراً، فإن قيل أو لم يقل - وإن كنا لم نقل بالتكفير ولا بالقتل - فلا أقل من القَدْرِ الذي يَنكَفَّ به ضَرَرُكَ عن المسلمين. وهذه الأشياء التي ذكرناها هي عند أهل اللغة أجزاء لا أوصاف، فهي صريحة في التركيب، والتركيب للأجسام، فذكرُكَ لفظ الأوصاف!! تلبيس وكل أهل اللغة لا يفهمون من الوجه، والعين، واليد والجنب، والقدم إلا الأجزاء!!، ولا يُفهم من الاستواء بمعنى القعود إلا أنه هيئة وضع المتمكن في المكان، ولا من المجيء والإتيان والنزول إلا الحركة الخاصة بالجسم، وأما المشيئة والعلم والقدرة ونحوها فهي صفات ذات وهي فينا ذات أمرين: أحدهما: عرض قام بالجسم، والله منزه عنه، والثاني: المعاني المتعلقة بالمراد والمعلوم والمقدور وهي الموصوف بها الرب سبحانه وتعالى وليست مختصة بالأجسام فظهر الفرق). ا. هـ
وقوله: (وقبضة والاستوا .. الخ) إشارة إلى ما في قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ، يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ (الرسم: 17) وإلى ما في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (:) أي القبضة في تلك الآية والاستواء في هذه الآية وفي نظائرها بمعنى الملك (223)، وكذا اليمين في قوله تعالى: {وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّتُ
[طه: 5]
(220) على أن الكثير من الروايات في هذه القضايا منحولة، وقد أنكر الإمام مالك بن أنس أن يُحدَّث بحديث (الصورة) و (اليد) وحديث يكشف عن ساقه ففي سير أعلام النبلاء للذهبي (417/ 7 دار الفكر - بيروت): قال ابن القاسم: سألت مالكاً عمّن حدث بالحديث الذين قالوا: «إنّ الله خلق آدم على صورته والحديث الذي جاء: إن الله يكشف عن ساقه»، وأنه يدخل يده في جهنم حتى يخرج من أراد». فأنكر مالك ذلك إنكاراً شديداً، ونهى أن يُحدّث بها أحد، فقيل له: إن ناساً من أهل العلم يتحدثون به. فقال: من هو؟ قيل: ابن عجلان عن أبي الزناد قال: لم يكن ابن عجلان يعرف هذه الأشياء، ولم يكن عالماً. وذكر أبا الزناد فقال: لم يزل عاملاً لهؤلاء حتى مات. هـ فتأمل. (221) ولا أدل على ذلك من إنكار بعضهم وقوع المجاز في الكتاب العزيز، يقول الشوكاني في «إرشاد الفحول ص (114) دار ابن كثير - بيروت، ط 4، 2011 م): (وأما ما استدل به لهم من أن المجاز كذب، لأنه يُنفي فيَصْدُقُ نَفْيه، وهو باطل لأنّ الصادق إنّما هو نَفْي الحقيقة، فلا ينافي صدق إثبات المجاز، وليس في المقام من الخلاف ما يقتضي ذكر بعض المجازات الواقعة في القرآن والأمر أوضح من ذلك، وكما أن المجاز واقع في الكتاب العزيز وقوعاً كثيراً فهو أيضاً واقع في السنة وقوعاً كثيراً والإنكار لهذا الوقوع مباهتة!! لا يستحق المجاوبة!!) اهـ.
(222) في (ب): كانوا. (223) وأكثر من يجادل في الاستواء يرمي في آخر المطاف لإثبات (الجلوس) للباري – تعالى عن ذلك، وهذا ديدن الحشوية المجسمة، أما من ينزه الله تعالى عن صفات الأجسام فلا يستنكف من حمل الاستواء على غير الجلوس بما تتسعه لغة العرب التي نزل بها الكتاب العزيز، وقد نعى ابن جرير الطبري على من أنكر تأويل (الاستواء) بالملك والسلطان حين يقول في تفسيره (312/ 1 دار الحديث القاهرة) ما نصه فيقال له زعمت أن تأويل قوله: استوى أقْبَلَ. أفكان مديراً عن السماء