بهجة الأنوار: شرح منظومة أنوار العقول - ط. روائع نور الاستقامة عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

بهجة الأنوار

الجزء ١ · صفحة ٨٦

بهجة الأنوار فج

17760

167

بهجة الأنوار فج

إنه ليس بمخلوق، إذ كان كلمة الله .. الخ). [كما في تاريخ الطبري (635/ 8 دار المعارف - القاهرة)]. ومن ذلك قول ابن أبي دؤاد: وقد تعلق النصارى بمثل ما تعلق به هذا فقالوا: عيسى غير مخلوق لأنه قال: (وَكَلِمَتُهُ أَلْقَنهَا إِلَى مَرْيَمَ فخالفناهم على هذا كله كما في «طبقات المعتزلة» لابن المرتضى ص (123 - 124 - مكتبة الحياة - بيروت)] بل في الرد على الجهمية المنسوب لابن حنبل إقرار ضمني بهذه الحقيقة ففيه ص 87 - 88 دار المنهاج، ط 1، 2003 م) ما نصه: (وقالت النصارى عيسى روح الله من ذات الله وكلمة الله من ذات الله كما يقال إن هذه الخرقة من هذا الثوب ا. هـ ونَسَبَهُ لأحمد أيضاً ابن تيمية في «الجواب الصحيح (339/ 2) دار الفضيلة، ط 2، 2010 م). هذا ما يتعلق بالخلفية التاريخية للقضية، وما قيل بخلاف ذلك فأكثره ظنون وأراجيف تعوزها الأدلة. أما ما تبلورت عليه آراء المدارس الإسلامية إزاءها فيمكن تلخيصه في التالي. رأي الأشاعرة والماتريدية في مسألة خلق القرآن

وهؤلاء خلصوا إلى أن الكلام الإلهي ينقسم إلى قسمين: أولهما المعنى القائم بالذات، وهو ليس بحرف ولا صوت، وهذا عندهم قديم باعتباره صفة ذاتية و اشتهر ذلك بينهم بمصطلح الكلام النفسي)، تشبيهاً له بحديث النفس واحتجاجاً بما يُنسب للأخطل القائل:

إن الكلام لفي الفؤاد وإنما جعل اللسان على الفؤاد دليلا

ويصف الجويني هذا القسم في العقيدة النظامية بقوله (ص 27 طبعة الكليات الأزهرية - القاهرة): (معتقد أهل الحق أن كلام الله تعالى ليس بحروف منتظمة، ولا أصوات منقطعة وإنما هو صفة قائمة بذاته تعالى يدل عليها قراءة القرآن كما يدل قول القائل: (الله). على الموجود الأزلي، وتعبيره المعين أصوات، والمفهوم منه الرب تبارك وتعالى ا. هـ

وعنه يقول الباقلاني في الإنصاف ص (106 وما بعدها): (ويجب أن يعلم أن الكلام الحقيقي المعنى الموجود في النفس، لكن جعل عليه أمارات تدل عليه فتارة تكون قولاً بلسان على حكم أهل ذلك اللسان، وما اصطلحوا عليه وجرى عُرفهم به، وجعل لغة لهما. هـ

هو

أما القسم الثاني فهو الكلام المركب من الحروف والكلمات وهو عندهم حكاية لكلام الله!! وهذا القسم لا إشكال لديهم في كونه مخلوقاً، يقول الباقلاني في الإنصاف» ص (99): (إن حروف الكلمة يقع بعضها سابقاً لبعض، فعند خط الكاتب (با) قد حصلت وثبتت قبل خطه (سينا)، وكذلك السين حصلت وثبتت قبل خطه (ميماً)، وكذلك النطق إذا تلفظ بالباء حصلت قبل السين، وما تقدم بعضه على بعض، وتأخر بعضه عن بعض، فهو صفة الخلق. ا. هـ ويقول أبو المعين النسفي الماتريدي في كتابه «تبصرة الأدلة» (284/ 1 - 285): (وجملة الجواب أن هذه العبارات مخلوقة، وهي دلالات على المعاني اللغوية، والأشخاص وأحوالها، كشخص فرعون وغرقه وما تفوه به، ويوسف وإخوته عليهم السلام، وإلقائهم إياه في الجب وغير ذلك، وهذا كله مخلوق وهي أيضاً دلالات على ذكر الله تعالى إياها وإخباره عنها وأمره بما أمر ونهيه عما نهى، وذلك هو المعني بكلامه وهو المتنازع فيه هذا هو تلخيص المذهب ا. هـ ولعل ما أورده التفتازاني في شرح المقاصد 143/ 4 عالم الكتب -

،

ذلك

هو

جميع

الفرق

بيروت يلخّص رأي الأشاعرة والماتريدية حين يقول كلامه عندنا صفة، أزلية، منافية للسكوت والآفة، يدل عليها بالعبارة أو الكتابة، ليست من جنس الأصوات والحروف، وخالفنا في ذهابا إلى أن المعقول من الكلام هو الحسي دون النفسي، ولم يقل بقدمه [أي الكلام الحسي] إلا الحنابلة والحشوية جهلاً منهم أو عناداً إذ لا خفاء في ترتب أجزائه وامتناع بقائه، وزعم الكرامية أنه مع حدوثه قائم بذات الله تعالى وسموه، قوله وجعلوا كلامه عبارة عن القدرة على إيجاد القول. وعند المعتزلة هو. حادث في جسم ما، ومعنى تكلم الباري تعالى به خلقه فيها. هـ. ثم يقول: (فبقي النزاع بيننا وبين المعتزلة وهو في التحقيق عائد إلى إثبات كلام النفس، ونفيه، وأن القرآن المتلو، هذا المؤلف من الحروف الذي هو كلام حسي، وإلا فلا نزاع لنا في حدوث كلام الحس، ولا لهم في قدم النفسي لو ثبت وعلى البحث والمناظرة في ثبوت الكلام النفسي، وكونه هو القرآن!!) اهـ قلنا كون الكلام النفسي هو القرآن غير مسلم على قاعدتهم كون الأول ليس بحرف ولا صوت خلافاً للقرآن. ولهذا نعى عليهم ذلك ابن أبي العز الحنفي وهو من مقلدي ابن تيمية في «شرح العقيدة الطحاوية» بقوله ص (186) المكتب الإسلامي - بيروت): (ولا شك أن من قال: إن كلام الله معنى واحد قائم بنفسه تعالى، وأن المتلو المحفوظ المكتوب المسموع من القارئ حكاية كلام الله وهو مخلوق؛ فقد قال بخلق القرآن وهو لا يشعر!!).ا. هـ ولا يخفى أن الخلاف بين المسلمين هو في القرآن الكريم، أي الكلام المركب من الحروف والكلمات!! المتلو بالألسن والمكتوب في المصاحف!! لا فيما ليس

بحرف!! وصوت!!.

رأي الحنابلة القدامى وابن تيمية:

أما قدماء الحنابلة فقد التزموا أن القرآن بحروفه وكلماته مكتوباً وملفوظاً هو كلام الله، وهو بكل ذلك قديم غير مخلوق، لأنه - حسب تصورهم - من الله ولا يكون من الله مخلوق، من ذلك قول ابن قدامة في كتابه «الصراط المستقيم في إثبات الحرف القديم ص 36) ضمن مجموع فيه ثلاث رسائل، دار الوطن - الرياض: (ولما اختلف أهل السنة والمعتزلة في القرآن هو مخلوق، أو لا، ما اختلفوا إلا في هذا، فإن من ضرورة الاختلاف الاتفاق على محله وما اعتقدت المعتزلة الخلق إلا في هذا القرآن، فخالفهم أهل الحق، وقالوا هو كلام الله القديم منزل غير مخلوق. ا. هـ وقد شرح رأيهم الجويني وفنده بقوله في الإرشاد» (ص 125) - 126 مؤسسة الكتب الثقافية - بيروت): (ذهبت الحشوية المنتمون إلى الظاهر، إلى أن كلام الله تعالى قديم أزلي، ثم زعموا أنه حروف وأصوات … وأصلهم أن الأصوات على تقطعها وتواليها كانت ثابتة في الأزل قائمة بذات الباري، تعالى عن قولهم علواً كبيراً، وقواعدهم مبنية على جحد الضرورات، فإنهم أثبتوا للكلام القديم على زعمهم، ابتداءً وانتهاء، وجعلوا منه سابقاً ومسبوقاً، فإن الحرف الثاني من كل كلمة مسبوق بالمتقدم عليه، وكل مسبوق مبتدأ وجوده، وباضطرار نعلم كون المفتتح وجوده حادثاً. ولا خفاء بمراغمتهم لبديهة العقول في حكمهم بانقلاب الحادث قديماً، ومما يقرر افتضاحهم في مناكرة الحقائق، أن الحروف لو مثلت من بعض الجواهر فهي عين كلام الله تعالى عندهم ا. هـ.