كتاب المعلقات لأصحابنا تحقيق سليمان بابزيز
الجزء ١ · صفحة ١٩وبلغنا أن تَامَلي صعلوكا فقيرا وكان ابن عمه فِرَاس مليًّا -كثير المال-، فأوقر فراس قافلة بالتمر يريد بها القيروان فخرج معه تَاملي ومعه غرارة من التمر، وكان فراس يحملها له على بعض جماله؛ فلمَّا كانوا بقريب من القيروان وقف عليهم واقف [سائل] وهم في بعض عروشهم فقال: عسى عندكم شيء لله - عز وجل - فقال له فراس: لقد شغلنا عنك؛ فدعاه تاملي ففتح له الغرارة وأطعمه منها؛ فحرد عند ذلك فراس ولم يرد ما فعل؛ فقال: يافقير صرفته أنا وأطعمته أنت، وما غرضك إِلاَّ مخالفتي فأقسم ألاَّ(1) يحمل غرارته بعد ذلك اليوم. فبات تاملي مغموما مهتمًّا بغرارته، وكيف تتوصَّل، ومن يحملها له؛ فسمع قائلا يقول: " اصبر فإنَّ الله ياتيك بمال غزير، ويغنيك عن مال فراس"؛ فلمَّا كان آخر الليل قبل رحيل الناس، عمد إلى غرارته فحملها على ظهره وسار وكان أمام(2) القافلة؛ وإذا بقرب القيروان [واد] فلمَّا قطعه تاملي؛ فإذا به قد حمل بالماء حتى لاتقدر القافلة على قطعه؛ ومرَّ على حاله حتى دخل القيروان؛ فوجد الناس متشوقين إلى التمر. فبلغنا أنَّه باعها بالعدد، وخرج من القيروان وتوجَّه إلى غانة؛ [فكان] ماله عَلَى النما والزيادة، حتى اجتمع عنده ستة عشر جلدة مملوءة بالذهب، مكتوب على جميعها مال الله(3) . وكان يرسل زكاة ماله إلى موسى بن سدرين ويأمره أن يدفعها عنه لمن يستحقها؛ فكتب إليه موسى فقال له: يا أخي إنَّ مالك كثير وأولياءك قليل؛ فانظر ماذا تفعل. فكتب إليه سمعت من أبي خزر: أنَّ كلَّ من رأيته يغسل النجاسة من ثيابه ولم تشاهد له كبيرة، فجائز أن تدفع له ذلك.
وبلغنا أنَّه أتاه شيخ من أهل الدعوة، فقال له: جئتك أريد فضلك ومعروفك؛ فقال: إن كنت تأخذ الزكاة؛ فادخل ذلك البيت، فخذ ماشئت، فأبى عن ذلك؛ فأعطاه دينارا، فقال: أما السخاء فلا يسمع الناس غنيٌّ سخيٌّ.