حكم حلق اللحية عند الشيخ بيوض
الجزء ١ · صفحة ١٠هذا وجه، وهناك وجه آخر، لا بد من ملاحظته، واعتباره عند تفهم قول النبيء - صلى الله عليه وسلم - "خالفوهم" والتفقه فيه، وإدراك حقيقة المراد به فإنه من غير الممكن أن يكون المراد به مطلق المخالفة في كل ما سبقوا إليه، أو كانوا عليه فقد يكونون على شيء مما يوافق الفطرة السليمة، وتستحسنه العقول الصحيحة، ولا يكون مبعثه الهوى، ولا يخالف هدي رسل الله، مثلما نحن بصدده من توفير الأحبار، والرهبان للحاهم، فإن مثل هذا الأمر مما لا يأمر الرسول بمخالفته، فليست المخالفة مطلوبة لذاتها حتى تعم كل شيء حسنا كان، أو قبيحا، مشروعا كان، أو غير مشروع. فلقد قدم النبيء - صلى الله عليه وسلم - المدينة ووجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك فقالوا: (هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه) فقال عليه الصلاة والسلام: "نحن أولى بموسى منكم"(1) فأمر بصيامه مع سبق اليهود إليه، ولم ير بذلك بأسا، ولم يأمر بمخالفتهم فيه، فإنما الأمر بالمخالفة كان لحكمة عظيمة، هي التي شرحها الشيخ شلتوت فيما تقدم مما نقلناه عنه، وذلك لا يكون إلا في أشياء مخصوصة معينة، أعلم الناس بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، فلا يصح الاعتراض إذا بتوفير الأحبار، والرهبان للحاهم، ولا يدخل هذا تحت أمر النبيء - صلى الله عليه وسلم - بالمخالفة، كما لا تدخل أشياء كثيرة أخرى سكت عنها النبيء - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يأمر بالمخالفة فيها.
(1) : رواه مسلم في باب صيام عاشوراء من كتاب الصوم، ورواه البخاري في الكتاب التاسع و الستين من كتاب الصوم من حديث جاء فيه: فأنا أحق بموسى منكم و أمر بصيامه.