أعمالي في الثورة للشيخ إبراهيم بيوض - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٦الساعة الثالثة حتى كانت الطرقات كلها تسيل بالدبَّابات وحاملات الجنود و (الجيب) وغيرها، وما كاد الفجر يبزغ حتى تم تطويق المدينة ووضعت المصفَّحات، والمرايا المكبرة حتى على الجبال المطلة على البلدة، ثم شرعوا في جر المتهمين من ديارهم إلى السجن والتعذيب.
وكان من لطف الله أنْ أعمى أبصارهم عن الدارالتي بها الحاجة مع أنَّ مركزًا من مراكز المراقبة لا يبعد عن الدار إلَّا بنحو مائة متر أو تزيد. مرت بنا ساعات من أحلك ما مر بنا ولم نستطع الاقتراب من الدار لحمل الفطور والغذاء إلى الجنديين، وحوالي منتصف النهار علمنا أنَّ الجنديين خرجا متسلِّلين عند الفجر قبل أنْ يشعر بهما أحد ففرحنا لسلامتهما. بقيت قضيَّة الأسلحة تقضُّ مضجعي وكان اليوم يوم خميس 31 جانفي 57، وعند أذان المغرب من ليلة الجمعة دعوت أربعة من الشباب الجريء المخلص إلى المسجد وقلت لهم أرجو منكم الآن بعد صلاة المغرب بقليل بعد أنْ يعتكر الظَّلام أنْ تتسلَّلوا إلى الدار واحدًا واحدًا، يفتحها أولكم بلطف يترك الباب مفتوحا كأنَّه مغلق حتى يدرك أصحابه فتُخرِجوا السلاح إلى كثيب هناك في المقبرة غير بعيد عن الدار فتردموه فيه جيدا، أمَّا أنا فأدخل المسجد وأصلِّي وأدعو لكم بالستر والحفظ في هذه الليلة المباركة، وأريد منكم أنْ تلقوني عند خروجي من صلاة العشاء فتخبروني بأنَّكل شيء قد تمَّ، قوموا والله معكم.