الحس الجمالي عند الشيخ الدبوز محمد بن صالح حمدي

الحس الجمالي عند الشيخ الدبوز لمحمد حمدي

الجزء ١ · صفحة ٤

أساتذته، وخاصة شيخه الشيخ بيوض – رحمه الله- المعروف بحسه الفني و الأدبي الرفيع النابع عن حسه الجمالي الذي ربى عليه طلبته(1).كما تأثر بشيخه و أستاذه الشيخ أبي اليقظان، الشاعر الأديب العاشق للطبيعة و لقيم الجمال، فكتب عنه وهو يشيد بهذا الحس عند شيخه(2). ثم اكتملت هذه الخاصية و نضجت في إقامته بأرض الكنانة، حيث مكنته هذه الرحلة العلمية من العيش في بيئة تختلف في كثير من مظاهرها عن البيئة التي نشأ و ترعرع فيها، بيئة احتوت حضارات عريقة في عمق الإنسانية و على أرض يخترق أحشائها نهر من اكبر أنهار و يرسم منها لوحة طبيعية في غاية الرونق و الجمال. من خلال هذه المحطات الثلاث: النشأة الأولى بين أحضان أبوين كريمين، وبين منابع العلم و الخلان في القرارة، وفي رحاب القاهرة أرض النيل، تكونت ونمت و ترعرعت هذه الخاصية و الحاسة الجمالية، فغدت عنوانا للشيخ و سمة بارزة، يلحظها من رأى الشيخ و عاصره، بل وحتى ومن لم يعاصره فيشهد صورته الأخاذة يدرك و يستنتج هذه الخاصية المتأصلة في شخصية هذا الرجل المتوسم بسمات الجمال و الجلال و الوقار.

لقد أدرك الشيخ أن الله خلق الكون في شكل بديع وصورة جميلة وتناسق بديع وتركيب مدهش و تناسب في المقادير تثير الإعجاب بما أودع من تناظر و إحكام توحي بوحدة الخلق و إبداع الخالق ﴿الذي خلق سبع سماوات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب البصر خاسئا وهو حسير﴾ [الملك:4] فحاول الشيخ أن يتناغم و يتجاوب مع هذه الحقائق الكونية، فأسقطها على حياته كلها ليحقق الهدف الذي ارتضاه خالق الكون و مبدعه من إيجاد الكون بهذا الشكل البديع.

فالله تبارك وتعالى لم يخلق هذا الجمال هدفا في حد ذاته بل وسيلة تعمق صلة الإنسان بخالق الكون من خلال الجمال الذي بثّ فيه، ومن خلال دعوة القرآن الكريم إلى توجه البشر نحو هذا الكون بإبداعه و جماله.

(1) انظر: د. محمد ناصر، الإمام بيوض اديبا، الملتقى الاول لفكر الغمام الشيخ بيوض، نشر جمعية التراث، القرارة، ص: 94

(2) انظر: محمد علي دبوز، أعلام الإصلاح في الجزائر، ج:3، مطبعة البعث، ص:170

٤ / ١٠