الحس الجمالي عند الشيخ الدبوز لمحمد حمدي
الجزء ١ · صفحة ٥و الإنسان أجمل المخلوقات على الإطلاق و أحسنها صورة، فقد صوره خالقه في أحسن صورة و أحسن تقويم، فهو مصدر من مصادر الجمال في الكون، فهو مطلوب بالتأمل في الجمال المبثوث في الكون ليصل على ترقية حسه و السمو بنفسه و التعامل الإيجابي مع هذه الهبة الإلهية الدائمة.
فقد استوعب الشيخ أن الله جل جلاله خلق الإنسان في أحسن صورة، فاعتنى بصورته كإنسان، فتطالعك صورته البهية و مشيته المتزنة و ترتيب هندامه و ثيابه، طلق المحيا باسم الثغر، بلحية كثة ممشوطة، مع الجلال والوقار. فكسب مكانة خاصة في قلوب معاشريه، بدءا من مشائخه فقربوه واهتموا به لهذه الخاصية و لطموحه و جده و تفانيه في طلب العلم، وفي قلوب زملائه من أساتذة معهد الحياة فكان مضرب المثل في الانضباط و النظام و الإبداع و التجديد في المناهج الدراسية، وكلها تنبع من القيم الجمالية التي أودعها الخالق المبدع في خلقه، وتعرفه عامة الناس في القرارة على الأقل في مظهره الأنيق. فعرفته وأنا من صبيان القرارة بهذه الخصائص، قبل أن أقعد إليه في فصله الدراسي كطالب بمعهد الحياة، وهو متوجه إلى معهد الحياة لأداء مهمته التربوية، في مشية متزنة حاملا حقيبته الجلدية، وعليه جلال العلماء و وقار الشيوخ، ملتحفا الزي الرسمي لمنتسبي المعهد(1) فنبقى مشددي النظر إلى طلعته البهية ونتوقف عن ألعابنا إجلالا و احتراما، و كأن ملكا نزل علينا من السماء.
و لقد أدرك الشيخ أن قيمة الجمال في المفهوم الإسلامي ليست مظهرا ونظافة و أناقة فحسب بل هي قيمة حياتية كبرى تحقق التوازن في الحياة بين الإنسان و الكون من ناحية و الإنسان و خالقه قبل ذلك، فإذا اختلت هذه العلاقات أثرت سلبا على علاقة الإنسان بنفسه و بخالقه و الكون و بغيره من خلق الله. فوظف هذه القيمة في رسالة حياته كلها، فكانت كتابته للتاريخ أجلى مظاهر حسه الجمالي فصبغ التاريخ بريشة فنان أبدع في رسم لوحاته كمؤلف سخر قلمه في بسط تاريخ أمته و تسجيل مآثر الأعلام و العلماء في أسلوب جذاب مليء بالأساليب التعبيرية،
(1) كل المنتسبين لمعهد الحياة، أساتذة و طلبة يلتزمون بزي محدد، الطاقية و اللحاف على الراس و القندورة البيضاء اليت تسبغ الجسم