الدكتور عمرو خليفة النامي: معالم آثاره وأفكاره مصطفى بن صالح بن إبراهيم باجو

الدكتور عمرو خليفة النامي معالم آثاره وأفكاره لمصطفى باجو

الجزء ١ · صفحة ١٣

ولم يطق جحيم الاغتراب فعاد إلى وطنه وأهله، وهمه أن يواصل رسالته على ثرى الوطن الحبيب، بعد أن قضى في اليابان قرابة عام.

بيد أنه لم يجد متنفسا للحرية في وطنه، وظلت الرقابة تشدد عليه الخناق، والملاحقات تلازمه كظله أنى سار، فقرر الانسحاب بعيدا عن الأنظار، وآوى إلى جبل نفوسة راعيا لشويهات يتبع بها شعف الجبال، قانعا بشظف العيش، زاهدا في أبهة الجامعة وحياة المدينة المترفة. وهو تحول في حياة الرجل يعبّر عن صرخة، لكنها مكتومة؛ أجل إنها صرخة ضد الظلم الذي جاوز المدى، واكتسح كل قيم الإنسانية والكرامة، وداس مبادئ الحرية التي يتغنى بها صباح مساء.

وقد عبّر النامي عن فلسفته في هذا الاختيار، مخاطبا بنته وهي ترى أباها مغادرا عالم البحث والكتب إلى حياة الشظف والنصب:

يكفي أباك … لكي يعيش مكرّما … عجفاء ثاغية، … وتيس أجرب

ونعيش في قُنن … الجبال تُظِلّنا … ويحيطنا بالحفظ … قفر سبسب

جيراننا وحش الفلاة … فلا يرى … فيها سوى … سبعٍ يسيح وثعلب

وهناك لا نخشى … سوى ذئب الفضا … يعدو على تلك الشياه … فينهب

والوحش وحش … لا يلام لبطشه … هو في طبيعته … يُغير ويغصِب

فلقد نعيش … هناك عيشة هانئ … ولقد يسالمنا الشجاع … المرعب

أجل إن في رحاب البيداء أنسًا وحياة وادعة، وحريةً عزّت على المرء في حرم الجامعة. ولكن هذا الحلم لم يتحقق للنامي، إذ أدركته لعنة السجون وحالفه حظه العاثر، فاختطف من بين شويهاته ليعود إلى ظلمات العنابر، ووئدت آخر أحلامه في جنح ليل ما له من آخر.

كان ذلك سنة 1981، حيث اختفى النامي عن النواظر، ولكن جهاده سيظل ماثلا حيًّا في الضمائر، وهديه منارا ودليلا لكل سائر، وجهوده خالدة رغم كل منكر وماكر.

يقول الدكتور محمد ناصر:

«هكذا يطوي النسيان علما بارزا من أعلام ليبيا المعاصرة، وتستمر مؤامرة الصمت مرعبة قاتلة، ولا أحد يحرك ساكنا، من ذوي قرابته الوطنية أو العقدية، وكأن شيئا لم يكن.

١٣ / ٢٧