كتاب السير - الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٢بلغها حاصر أهلها مات شاء الله وقد كان خرج إليه عبد الملك بن الجعد بورفجومة فقاتلوه فهزمهم الله وقتل عبد الملك وأصحابه وذلك في صفر عام إحدى وأربعين و مائة وكانت تغلب وَرْفجومة على القيروان سنة وشهرين.
وقال أبو زكريا يحيى بن أبي بكر رحمه الله إن عاصم السدراتي وهو أحد النفر الخمسة من حملة العلم كان من أشد الناس شوكة على أهل القيروان فمرض مرضا شديدا فسمع بمرضه أهل القيروان ثم اشتهى قثاء فبلغهم ذلك فسمّوا قثاءة فأرسلوا بايعا يبيع القثاء فأمروه ألاّ يبيع تلك التي جعلوا فيها السمّ إلا لعاصم فاشتروا تلك القثاءة المسمومة لعاصم فلما أكلها مات فاستشهد رحمه الله فجمع الله له أجر الجهاد وشدة النطاية في الأعداء والمرض والموت بالسمّ - رضي الله عنهم - فلما فعلوا فعلتهم صاحوا من فوق المدينة أين عاصم السدراتي الذي قتل بالسمّ وبلغ ذلك في أبي الخطاب مبلغا عظيما فأمر أهل العسكر أن يخرجوا بالليل بسلاحهم ويتركوا الاخبية كما كانت أشباه المنهزمين فلما أصبح أهل القيروان ظنّوا أنّهم هربوا فأتبعوهم مشرقين وقد كمن لهم أبو الخطاب فيمن معه فلما ترائى الجمعان ووقع القتال انهزم أهل القيروان وولوا مدبرين فتبعهم حتّى دخل القيروان فخرج أهل المدينة إلى موضع القتلى فإذا بثيابهم لم يسلب أحدٌ منهم فقالت امرأة كأنهم رقود وسمى الموضع رقادة إلى أيام عبد العزيز بن أحمد المكنّى بأبي فارس فسمّاه نباهنة على ما قيل وخرجوا إلى زروعهم فإذا كما هي كما كانت لم يقع فيها فسادٌ ولا مضرّةٌ لا بالناس ولا بالمواشي فتعجب الناس من عدل أبيس الخطاب وطاعة أصحابه له فتفقد رحمه الله القتلى فوجد واحدًا منهم مسلوبا فنادى مناديه من أخذ من القتلى شيئا فليرده فلما أيس دعا الله ربه وكان مستجاب الدعاء أن يفضحه على رؤوس الخلائق فركبوا خيلهم ليجروها وانقطع حزام جميل السدراتي وسقط وظهر السلب تحت سرجه فأخذه الإمام وأدبه وكان رحمه الله أحسن السيرة