كتاب السير - الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٣٥وأصحاب أبي الخطاب تاقت نفوسهم إلى الجهاد وملاقاة الأعداء ومجالدة الأقران وكان بينهم قتال شديد وصبر أبو الخطاب في قتله حتى مات من الفريقين بشر كثيرٌ فأبى أبو الخطاب وأصحابه من الانهزام حتى استشهدوا رحمهم الله تعالى وهم اثنا عشر ألفا وقيل أربع عشر وتتبع عدو الله المسلمين في الجبال فتعلقوا في الجبال والقلاع.
وأدرك عبد الرحمن بن رستم وهو بمن معه من أهل إفريقية بقابس، وتفرق أصحابه، وذهب وهو مستخف حتى دخل مدينة القيروان، فلما بلغ أهل القيروان موت أبي الخطاب قاموا على عامله وأوثقوه، وقدموا عمر بن عثمان القرشي على أنفسهم، حتى قدم ابن الأشعث، وقام عبد الرحمن ابن حبيب يلتمس عبد الرحمن بن رستم، وفرّ رحمه الله إلى المغرب، قال أبو يحيى ظفر به عبد الرحمن بن حبيب فتشفع فيه رجلٌ من أهل القيروان، فقال له بن حبيب: كل حاجة لك عندي مقضية، إلاّ ابن رستم فقال: إن لم أسألك ابن رستم فمن ذا أسألك فأطلقه له .
وكان ابن رستم حين أراد المسلمون توليته لبعض أمورهم قال إن ابن حبيب إبليس أو شيطان في صورة إنسان فحدقها عليه ابن حبيب وخرج عبد الرحمن بن رستم وما معه إلا ابنه عبد الوهاب وغلام له فمات فرسه في بعض الطريق فدفنه خشية الطلب وضعف عن المشي وأدركه العياء والملل فصار ابنه وغلامه يحملانه نوبًا وكل واحد يقول لصاحبه إن أدركنا العدو فما دون الخمسمائة لا تضع الشيخ لجلدهما وشجاعتهما حتى بلغوا بالمغرب سوفجج جبل منيع وفات عدو اله ابن الأشعث واجتمع إليه بعض شيوخ أهل الدعوة من طرابلس وغيره فارتحل إليه ابن الأشعث فحاصره زمانا فلم يصنع شيئا ووخم الجبل بأهل ومات من أصحاب عبد الرحمن بشر كثير بالمرض فأيس منه ابن الأشعث ورجع إلى القيروان وضبطها وأمعن في قتل أهل الدعوة ثم قام عليه الجند فأخرجوه إلى المشرق واتقدت المغرب نيرانا لكثرة الفتن.