كتاب السير - الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧١الساكن بتبرست بلغ في العلوم النهاية، وجرى في أمر الصلاح حتى الغاية وقنع في دنياه بالخمول ورأى ما سوى أمر المعاد فضول، وكانت عادته إذا وقع الجدب وعظم البلاء أن يجمع حشايش الأرض ويطبخها ويرسل بها إلى من احتجب من النساء، وفي سير نفوسة أن أبا مرداس في الشدائد ينفق ماله على الضعفاء وكان يقعد على طريق رجوع الخدم ورواحهن من الاحتطاب فيعطيهن قبضة من دقيق مبلول بماء يسمى الصميت، ويسمى أيضا بعرف بعض البلاد البسيسة حتى نفذ ما عنده ثم صار ينفق الحشيش فلما يبس صار ينزل إلى تيح فيحمل القطف من السباخ فلما يبس بالقحط صار يحفر عروقه ويطبخها فينفقها وكان له مسجد في كهف يتعبد فيه ويقول لولا أمور الإسلام ما أجاوز هذا الشعب إلى هذا الشعب وكان شديدا في الأمر والنهي ويتبع الأمراء وينهى ويشدد عليهم في أمور الإسلام، كان الإمام عبد الوهاب يقول: أحفظ أربعة وعشرين وجها تحل بها الدماء ولم أحفظ أبو مرداس إلا أربعة وشدد عليّ فيها وصاحب الإمام حتى مات وصاحب أيوب بن عباس بعد رجوع الإمام إلى تيهرت حتى مات وكان مع أبي عبيدة عبد الحميد حتى مات ثم صحب العباس بن أيوب وقد كبر وانحنى يجبر سيفه إذا مشى أمام الجيوش وكان قصيرا ورأيت فوق مصلاه الذي في الكهف أثر قدم على صفاة ملساء وكان في طريق واشتهر عند العامة إن ذلك أثر قدمه تخول ثلاث مرات يتبرك الناس بها إلى يومنا هذا، وقيل تكلم حين لاقوا خلفا بأني أطمع الجنة لمن مات في وجهتنا في هذه إلا القاعد على فراش حرام أو القاتل النفس أو الآكل مال غيره ظلما وله منها مخرج إن تاب ورفع نفسه عن المال والفراش ولقيد نفسه لأولياء المقتول وإن لم يجدهم فليقاتل بنفس غيره وليوص بالتبعات فقام وأدكن الجار أزراري فقال قبلت أبا مكشان وأكلت ماله فقال أبو مرداس حملين ثقلان أي تحملت حملين هما حملان فأمره فدخل القاتل من غير مجن ولم يتق عن نفسه ضربه ولم تأخذه ضربه ولم يحمدوا له ذلك ونظيرها تقدم