كتاب السير - الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٩٤قال أبو العباس شيخ النسك والتبتل والمكرم بالدعاء المستجاب المتقبل رفض شهوات النفس فباعها وفاز باسمي المنازل واستوجبت الرقي في درجات الأفاضل قال حدث جماعة من المشايخ أن أبا مهاصر خرج سنة من السنين في أوان الربيع البادية هو عمروس بن فتح رحمهما الله فلبثوا أياما على غير ماء فأخذوا يتيممون للصلوات فتكدرت نفس أبي مهاصر فقال قلوب يربو عليها الشحم ما سمنت ووجوه تعلوها الغبرة قلت سلامة الدين مع أهل الوبر إنما الدين في المدر والله لا يجعل بنا أن نترك الدين لاتباع شهواتنا وأني لا أخاف أن نكون ممن عاب الله عز وجل بقوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً)(1)، فرد عمروس بأن قال ليس في ذلك ما تخافه لقد أباح اله التيمم لعدم الماء واباح الضرب في الأرض لطلب الفضل وابتغاء الرزق حيث قال: (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ )(2)، وقال: (إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ )(3)، وقال: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(4) فلم يقنع ذلك أبا مهاصر فرجع إلى منزله فاستصحب معه من تحف البادية فلما بلغ قسمها بين الأقارب والجيران والفقراء ومن تجب مواصلته فأعطى ليهودي فقال اللهم لا تنساه من رحمتك كما لم ينسني قال أبو مهاصر ذلك ما ابتغى عندك قال أبو العباس لعله إنما أراد ما يعطفه ويلين قلبه ويدخله الإسلام و إلا فأبو مهاصر لا يجهل قوله تعالى: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ)(5) قلت إنما يريدون ما يجده عند الله لأن الله أمر بذلك إذا جارا أو قريبا أو فقيرا ذا حاجة قال أبو العباس جمع الصبيان وإعطائهم ثم
(1) – سورة مريم، الآية:59.
(2) – سورة الجمعة، الآية:10.
(3) – سورة النساء، الآية:43.
(4) – سورة المائدة، الآية:6.
(5) – سورة المجادلة، الآية:22.