كتاب السير (تحقيق أحمد بن سعود السيابي) أحمد بن سعيد أبي عثمان بن عبد الواحد الشماخي أبو العباس (بدر الدين)

كتاب السير - الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢١٤

فلما اجتمعت الكلمة بعد اختلافها على محمد بن أفلح لعلمه وورعه كان أول شيء نظر فيه التماس قاض عدل يصلح لأن يقلد أمور الإسلام فأشاروا عليه بتقديم الشيخ التقي العالم النقي محمد بن عبد الله بن أبي الشيخ وكان وقافا شديدا في دين الله حازما لقمع المظالم والمناهي آمرا بالمعروف ثم عزل نفسه لمنكر بلغه بعد أن أحسن السيرة وأظهر الحق وتجردت نفوسة الجبل لإصلاح الأسواق وقمع الفساق لأن نفاقهم نجم مدة الفتنة وظهر فسادهم وعظم ضررهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون منار الحق فأصلح الله فأصلح الله الفساد على أيديهم حتى عاقبوا القصاب على نفخ الشاة ومنعوا الحمال على دابته أن يحمل عليها فوق طاقتها وانقطعت مادة الفتنة وعمرت المساجد وكانت خلافته نحو الأربعين وعمره نحو المائة قال ابن الصغير رأيته يوما بمصلى الجنائزية ينتظر فراغ دفن جنازة من وجوه الناس أبيض اللحية والرأس ربعة وضعت له وسادة من جلد قال كان إذا جلس لا يتكلم أحد في مجلسه إلا أن تكون ظلامة ترفع قال وكان زاهدا ورعا سكيتا وإذا جلس في المسجد الجامع جلس على وسادة من آدم وله سارية تعرف به يجلس إليها وجمع العلم والعمل وألَّف كتبا كثيرة قال أبو زكريا أن محمد بن أفلح اجتمع المسلمون فولوه على أنفسهم ولم يكن منهم في توليته اختلاف وبلغ في العدل والفضل غاية عظيمة وكانت نفوسة لا تعدل بولايته إلا ولاية جده عبد الرحمن رضي الله عنهما وكانت نفوسة تجعل باب داره كالمسجد يسهرون حوله طائفة يقرأون وطائفة يصلون وطائفة يتحدثون في فنون العلم وكان حسن السيرة أورع من في زمانه وله في الرد على المخالفين كتب كثيرة ومات عام أحد وثمانين ومائتين ووجد في تركته من العين سبعة عشر دينارا وبلغ في العلم مبلغا عظيما وألّف كتبا كثيرة ووضع في الاستطاعة أربعين كتابا وحدها وقد تقدم أن بيتهم بلغ في العلم مبلغا عظيما وذكر عن أبيه أفلح أنّه قعد عليه قبل بلوغ الحلم ثلاث حلق

٢١٤ / ٥٧٦