كتاب السير - الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٦وكان غاية في العلم والعمل والورع والأدب، قال ابن الصغير فيما نقل عنه كلهم مقرون له بالفضل معترفون له بالعلم والحلم وإذا اختلفوا في مسألة في الكلام والفقه صدوا عن رأيه، قال جالسته مرارا فما رأيت في سود الرأس أخشع لله تعالى منه وكان لا يجمعه مع أبي اليقظان إلا المسجد الجامع قال حدثني أحمد بن بشران أبا اليقظان ضرب سرادقه لأمر وبرز بنفسه وعلم الناس بخروجه فخرج إليه القراء والفقهاء وضربوا أخبيتهم حوله حاشا أبا عبيدة فبينما الناس ذات يوم إذ أقبل أبو عبيدة فقالوا هذا أبو عبيدة جاء إما مسلما أو مفتقدا فأعلموا بقدومه أبا اليقظان فلما دخل عليه رحب به ورفع درجته وأدنى منزلته ومكانه فقال أمسلما أو مفتقدا فقال لا مسلما ولا مفتقدا ولكن جارة لي خرج ابنها البارحة لطلب معاش له ولها فأخذها صاحب الحرم فحبسه فأتتني أمه شاكية فأردت إطلاقه فأمر بإطلاق من حبس تلك الليلة إجلالا لأبي عبيدة ثم سلم وانصرف فعجب الحاضرون من صدقه وتركه التصنع وإظهاره على لسانه ما أسر في قلبه قلت إنما ذلك فيمن أخذ تأديبا إلا من عليه حد من حدود الله قال وكان عالما بالكلام والفقه واللغة والنحو والوثائق وكان مع الديانة والعلم حسن الأدب وكان أهل المغرب كلهم مشغوفين به ويرسلون إليه بزكاة أموالهم يصرفها حيث شاء من سجلماسة وغيرها ومن ورعه وتقشفه أن خديمه أبا سابق علف ليلة فرسه من بيت المال فأعلمه فقال ما هذا يا أبا سابق وحلف لا قام ولا أكل ولا شرب حتى ترد في بيت المال فنزع أبو سابق عن الفرس وكمل ما نقص من أكل الفرس من ماله ورده من حينه فما برح حتى رجع أبو سابق فأعلمه فقال الآن أحسنت.
ومنهم أبو منصور النفوسي: